الإفلاس.. فزاعة الشعوب

 أزمات كثيرة ومتتالية، أوبئة وحروب وصراعات كبرى واجْهتها الدول والحكومات في السنوات الأخيرة، كمّامات ومعقّمات، أدوية وعقاقير، لقاحات وغيرها الكثير والكثير، كلها فواتير مشتريات وتكاليف جديدة ارتبطت بالأمن والسلامة والحفاظ على صحة الشعوب تكبدتها الكرة الأرضية بكل طِيب خاطر، إغلاقات جُزئيّة وكُليّة، إيقاف لحركة الملاحة الداخلية والخارجية وتجميد للتدفقات السياحية بل وحتى الاتجاه نحو حظر التجوُّل والعمل والتعلم عن بُعد كلها أيضا كانت إجراءات احترازية من ضمن خطة عمل دولية للوقوف في وجه الوباء دون أي تردُّد ولو كان الثمن هو الاقتصاد نفسه، فالإنسان دائما يأتي أولا وهرم "ماسلو" يضع وبكل وضوح حاجات التنفس والأكل والشرب والنوم على رأس الاحتياجات البشرية وهو الأمر الذي جعل فيروس كورونا واحدا من أخطر الجوائح التي مرّت على العالم، كيف لا وهو يهاجم الإنسان ليمنع رئتيه من العمل في محاولة لخنق ما تبقى من أنفاس، في جسم ما زالت تتدفق فيه الحياة. لم تنته الأزمة ولم تمُر الأيام طويلا حتى بدأت الأزمة الروسية الأوكرانية في كتابة ثاني حلقات الضغط الكبير على الدول، فها هي أسعار النفط ترتفع لتلامس الـ 130 دولارا للبرميل، وها هو القمح يلامس مستواه الأعلى في 10 سنوات وها هي المواد الغذائية المختلفة تقف تحت مرمى نيران النفط تلك المادة المُشتعلة المُتفجّرة التي أحرقت أصابع الجميع في تهديداتها بأنها قد تتوقف وبأي لحظة عن التدفق في أنابيبهم إلا إذا دفعوا الكثير وهنا كان المعنى واضحا فالكثير يعني الكثير. هذه التغيرات وهذا الارتفاع الكبير بأسعار النفط والغاز كان هو السبب الأول والأهم لارتفاع أسعار النقل وهو الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على المستويات السعرية لجميع السلع والخدمات وهو أيضا ما جعل التضخم والغلاء سيدي الموقف في عالم تعاني منه كثير من الدول من الشح في الموارد الطبيعية وهو نفسه أيضا السبب الحقيقي لما نسمعه اليوم مما تواجهه الدول من خطر الإفلاس والتخلف عن سداد ديونها، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هو الإفلاس؟ وما هو الفرق بين إفلاس الدول وإفلاس الشركات؟ وما هي تأثرات الإفلاس على مستقبل الناس والمواطنين في تلك الدول؟ أولا ومن الناحية العامة وقبل كل شيء فإن تعريف الإفلاس هو اضطراب في الأحوال المالية للتجّار أو الأفراد حيث لا يكون الشخص قادراً على الوفاء بالتزاماته المالية فيتوقف عن سداد ديونه، وحالة الإفلاس هذه قد يتعرض لها التاجر الفرد وقد تتعرض لها أيضا الشركات التجارية باعتبارها شخصية قانونية مُستقلة في التعامل التجاري، ويحدث ذلك حين تُعلِن هذه الشركة أنها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها لدائنيها حيث تقوم بتصفية كل أصولها وأملاكها وحساباتها البنكية لتُسدِّد أكبر قدر ممكن من هذه الالتزامات ثم تخرج من سوق العمل، أما بالحديث عن إفلاس الدول فإنه من المهم معرفة أن الدول لا تُفلس بنفس الشكل الذي يحدث للأفراد أو الشركات، وبالتالي فإنه لا يُمكن أن تقوم المحكمة الدولية مثلا بوضع يدها على أصول وممتلكات الدولة لبيعها بمزاد علني ومن ثم تسديد مستحقات الدائنين كما تفعل مع الشركات، فالدولة هنا لها سيادتها الخاصة ولا يسمح القانون الدولي بتجاوزها حتى في حالة الإفلاس. وبالانتقال للحديث عن تأثيرات حالة الإفلاس، وبما أن عملية إفلاس أي دولة يكون عندما تصبح هذه الدولة عاجزة عن سداد ديونها وبالتالي تكون أيضا غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية الأخرى مثل الرواتب والأجور أو حتى دفع ثمن ما تستورده من بضائع وسلع، فإن الدولة في مثل هذا الوضع تكون ضعيفة ماليًا وبالتالي لا تستطيع توفير احتياجات مواطنيها الأساسية سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو حتى إنسانية، وهو ما يؤثِّر على سعر صرف عملتها الوطنية وقيمتها وبالتالي يؤثِّر على مدّخرات وأملاك شعوبها، بالإضافة إلى أن ما تقوم به وكالات التصنيف الائتماني في هذه الحالة من تخفيض التصنيف الائتماني للدول المُفلِسة وهو الأمر الذي يُقلِّص فرص الاستثمار بها ويُسرّع في الوصول إلى حالة الركود والكساد الاقتصادي الناتجة عن التضخم والتباطؤ بالنمو وغيرها الكثير من الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي قد تترك آثارها القاسية لعدة سنوات وأجيال قادمة. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من أن شبح الإفلاس هو خوف حقيقي تُواجهه الدول التي تعتمد على الاستهلاك والاستيراد من الخارج، إلا أنه وبنفس الوقت قد يُعتبر فرصة حقيقية لمراجعة الذات واكتشاف الأخطاء وتصحيحها للانتقال ولو لمرة واحدة من أن نكون دول مُستهلكة تعتمد على الآخرين لدول مُنتجة يحتاجها الآخرون، والفرق بينهما كبير على كل المستويات السيادي والإنساني وحتى الاجتماعي، وهنا أؤكد أن عملية الإفلاس وبرغم نتائجها الكارثية إلا أنها ليست نهاية العالم فالتاريخ يُخبرنا بأنه وفي القرنين السابقين حوالي نصف دول القارة الأوروبية، و40 % من دول إفريقيا، و30 % من دول آسيا كانت قد أعلنت إفلاسها، أما على المستوى الدولي فتتصدر الإكوادور قائمة الدول التي أعلنت إفلاسها حيث قامت بذلك 10 مرات، لتليها ألمانيا بـ 8 مرات، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بـ 5 مرات، والصين وبريطانيا بـ 4 مرات، واليابان بمرتين، أما على المستوى الشخصي، فإنه تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" وقبل توليه سدة الرئاسة الأمريكية قام بإعلان إفلاسه 6 مرات وذلك منذ العام 1991 وحتى العام 2009، وهنا أتذكر مقولة المُفكِّر الأيرلندي "ادموند بيرك" حين قال "إذا كنا نقود ثروتنا، فإننا نكون أغنياء وأحرارًا، أما إذا كانت ثروتنا هي التي تقودنا، فنحن حقًا فقراء".