الوضع الاقتصادي الأوروبي غير مرض بالنسبة للأوروبيين عموما، مما يفسر الغضب الشعبي تجاه المسؤولين. هنالك موجة ضد العولمة، والمدهش أن الغربيين الذين استفادوا منها هم أكثر عداء لها من مواطني الدول النامية والناشئة. مستقبل الانفتاح والعولمة اليوم يعتمد إلى حد بعيد على الجهود الصينية وقيادتها. الصين الشيوعية تقود النظام الرأسمالي المنفتح والولايات المتحدة ترغب في بناء الحواجز والانغلاق والجدار. تشير الانتخابات الى أن الأوروبيين يريدون التغيير، إلا أنهم لا يدرون في أي اتجاه يذهبون. نتائج الانتخابات الفرنسية مختلفة جدا عن البريطانية والهولندية وغيرها. نتائج الانتخابات الإيطالية الأخيرة أظهرت التقلب الشعبي تجاه الوحدة واليورو. التعثر في تشكيل الحكومة وتعيين رئيس وزراء موظف سابق في صندوق النقد الدولي لن يحل المشكلة بل يؤجلها. خروج إيطاليا من الوحدة الأوروبية يعني انتهاء الوحدة والنقد المشترك. إيطاليا هي ثالث اقتصاد أوروبي وقلب أوروبا، فكيف تخرج؟ الانتخابات القادمة ستقرر. أهمية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الفرنسية أنها كانت اقتراعا للوحدة الأوروبية ولمنطقة اليورو. نما الناتج في منطقة اليورو 0,5% في الفصل الأول من هذه السنة. تحول ميزان الحساب الجاري في منطقة اليورو من سلبي 1,2% من الناتج في سنة 2008 إلى إيجابي 3,4% في سنة 2016. ارتفاع مبيعات السيارات خلال مارس الماضي في منطقة اليورو جعل منها السوق الثانية للسيارات في العالم بعد الصين وقبل أمريكا. المشكلة الأساسية في منطقة اليورو تبقى البطالة أي 9,5% مقارنة بـ 4% في الولايات المتحدة. لا شك أن السياسة النقدية تبقى مختلفة حيث رفع المصرف المركزي الأمريكي الفائدة الأساسية مرات بينما يبقي الأوروبي على سياساته التحفيزية. الانتخابات الألمانية كانت أوضح وأبقت مركل في السلطة. حتى الانتخابات الفرنسية، بالرغم من فوز الخيار الأوروبي فيها، شكلت اعتراضا كبيرا على حكمي ساركوزي وخاصة هولاند. ما ينقص أوروبا عموما هو الاهتمام بالإنتاجية التي تبقى مصدر النمو. كي ترتفع لابد من إيجاد الحوافز والدوافع للعمل. الصراع الاجتماعي الأوروبي كان أكثر حول زيادة الأجور والمنافع والعطل وتخفيض ساعات العمل أكثر منه حول زيادة الإنتاجية والتنافسية. رفع الانتاجية يرتكز على عوامل عدة أهمها الاستثمار في التعليم والتدريب. يجب على كل دولة أن توفر الفرص لمواطنيها لتعلم التكنولوجيا والعلوم لرفع الإنتاجية والتشجيع على الإبداع والتجديد. هنالك دور كبير للقطاع العام وأيضا للقطاع الخاص في تقبل الأفكار الجديدة وليس إقفال الحوار. تبقى التجربة اليونانية النقطة السوداء الأساسية في تجربة اليورو. أقلقت كل أوروبا من ناحية التكلفة والاستمرارية والمدى الذي يمكن أن تصل إليه الخسائر والمساعدات. لا تمكن معالجة مشكلة اليورو من دون النظر إلى أوضاع الدول الداخلية وخاصة الدول الثلاث الأساسية. في ألمانيا نمت الإنتاجية بنسبة أعلى من الأجور، بينما تعادلت في فرنسا وكانت النتيجة عكسية في إيطاليا. هذا الفارق يرفع الشرخ بين الدول وبالتالي ينعكس سلبا على التجانس المطلوب داخل الوحدة النقدية.