من أهم الكتب التي عالجت المواضيع الانسانية هي للاقتصادي «البرت هيرشمان» التي يقول فيها إن الحريات مهمة ومنها حرية التعبير والخروج كما الولاء. استفتاء البريكسيت بني على أفكار هيرشمان، علم بها دايفيد كامرون أو لا. استعمل كامرون الاستفتاء (التهديد بالخروج) تجاوبا مع مطالب البريطانيين (التعبير) تجاه العلاقات مع أوروبا. لكنه لم يكن يدرك أو لم يقيم كم أن البريطانيين غير موالين للمجموعة الأوروبية (الولاء) وبالتالي انتصر الراغبون في الطلاق. في الواقع، البريطانيون غير متعلقين بأوروبا كما هو حال سكان القارة وكانوا ينظرون الى الوحدة الأوروبية كسوق وليس كهوية. شعروا أن الوحدة تخطت مهمتها وبالتالي تحمسوا للمغادرة وهذا ما سيحصل قريبا. هل يندمون؟ هل سيرتفع مستوى السعادة في بريطانيا بعد الخروج؟ العودة مستحيلة وعليهم ايجاد مخارج جديدة ربما انضمام الى وحدة أميركية شمالية. يقول الاقتصادي «بنتهام» أن هنالك 4 عوامل تؤثر على مستوى السعادة: الأمن، موارد رزق كافية، البحبوحة العامة والعدالة والمساواة. ليس صعبا الحفاظ على الأمن وهو مستتب. موارد الرزق ستبقى واسعة لأن الاقتصاد متطور والقوانين تشجع على الاستثمارات واليد العاملة ذات نوعية عالية. أما البحبوحة، فبريطانيا لم تعان حتى في الحروب القاسية من نقص في المواد والخدمات والسلع. أخيرا في المساواة بين المواطنين، فبريطانيا من أكثر الدول تطورا وتقدما وبالتالي احترام حقوق المرأة والأطفال والأقليات هي من الأفضل عالميا. اذا لا خوف على بريطانيا بعد البريكسيت. استقالة ماي ستعجل الخروج لكن الطريق لن تكون سهلة. قام لبنان مثلا في أيار 2018 بانتخابات نيابية طال انتظارها ومن أسبابها ليس فقط الحفاظ على الديموقراطية، انما رفع مستوى السعادة. أجلت الانتخابات مرارا دون أسباب مقنعة الا الحفاظ على المراكز للمنتخبين سابقا. شعر اللبنانيون بسعادة أكبر بعد الانتخابات لكنهم قلقون اليوم مجددا بسبب التخبط في ابرام موازنة 2019 وعدم شفافية الحسابات العامة. نحتاج الى رفع المعنويات الذي يؤمنه العمل لحماية الاقتصاد والمجتمع. ما المطلوب اليوم عالميا لرفع مستوى السعادة؟ تأمين دخل لكل المواطنين من قبل الدولة؟ تشير الدراسات أن تأمين حد أدنى من الدخل لكل مواطن يوفر على الدولة الأموال الطائلة من ضمانات وتأمينات وأجور موظفين في القطاع العام ودعم للسلع وبرامج اجتماعية وغيرها. تأمين هذا الدخل يريح المواطن والدولة ويوفر المليارات على الموازنات الوطنية. اذا كان هذا الحال، لماذا لم تقم به الدول حتى اليوم؟ الجواب هو وجود قوى كبيرة تريد الحفاظ على الوضع الحالي أي قوى الفساد والهدر. ما هو أهم؟ حق العمل أم حق الدخل؟ هل من واجب المجتمع تأمين وظيفة لكل مواطن أم تأمين دخل. ليس هنالك من دراسات تربط بين الدخل المؤكد والانتاجية، بل هنالك من يقول إن المواطن المرتاح نفسيا يعمل أكثر اذ يغيب عنده القلق ويصبح التحدي المعيشي هو التحسن والنجاح وليس الاستمرارية. فكرة تستأهل النقاش والدرس قبل التطبيق.