يعتقد البعض أن التعاملات والتدفقات النقدية بين الدول حركة سلعية يمكن اختصارها بمفهوم الواردات والصادرات، حيث تُسجَل المعاملات الناتجة عنهما عن طريق سجل يطلق عليه اسم "الميزان التجاري". ولكن مع التطور الاقتصادي ومع ارتفاع مستويات حركة التبادل التجاري والمالي بين الدول، وبالتالي ظهور شركات عالمية تستثمر وتنفذ عملياتها خارج حدود دولها، بهدف الاستفادة من أسواق الدول الأخرى وميزاتها التنافسية، وكذلك مع انتشار حركة الهجرة للعمل ومع سهولة القيام بالاستثمار في أسواق المال العالمية حيث أصبح من الممكن لأي مستثمر أن يشتري أسهمًا من البورصات العالمية من منزله، وكذلك مع توسع المؤسسات المالية والبنكية والتي أصبحت تملك فروعا أو مكاتب تمثيلية في عدة دول، أدرك الجميع أن التبادلات بين الدول لم تعد قاصرة على تبادل السلع فقط بل أصبح الجزء الأكبر منها عبارة عن تحويلات مالية وتدفقات نقدية وبالتالي أصبح من الضروري تسجيل هذه الحركة وبشكل دقيق، وهو ما أدى إلى ظهور ما يُسمى بميزان المدفوعات. إذن، ما هو ميزان المدفوعات؟ وما الفرق بينه وبين الميزان التجاري؟ وما هي أهميته؟ ميزان المدفوعات هو السجِل الذي يلخص كل التبادلات المالية والسلعية التي يقوم بها الأفراد والشركات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية في بلد ما مع الأفراد والشركات، والمؤسسات المختلفة في باقي أنحاء العالم. أي أنه سجل محاسبي منتظم لكافة المعاملات الاقتصادية والمالية التي تتم بين المقيمين في دولة معينة وبين بقية دول العالم خلال فترة زمنية معينة، عادة ما تكون سنة. وكمثال لهذا الموضوع فإننا نفترض قيام شركة قطرية بشراء منتجات غذائية من شركة لبنانية بقيمة مليون ريال نقدا تم سدادها عن طريق تحويل بنكي وبالتالي فإنه يمكن تصور إثر العملية السابقة كما يلي: خروج مليون ريال من دولة قطر وبالتالي تسجيلها في الجانب السالب من ميزان المدفوعات القطري، ودخول مبلغ مليون ريال إلى لبنان وبالتالي تسجيلها في الجانب الموجب من ميزان المدفوعات اللبناني. ونفس المثال يمكن تطبيقه لتحويلات المغتربين وأموال التبرعات والهبات الدولية، وكذلك لأرباح الشركات العالمية والتي تحول من فروعها الخارجية إلى فرعها الرئيسي بالبلد الأم، وذلك بخصم المبلغ عند خروجه من اقتصاد دولة وإضافته عند دخوله لاقتصاد دولة أخرى. ومن هنا وبشكل سريع فإنه يمكن القول إن البيان الذي يسجل جميع الأموال التي تخرج من الدولة أو تدخل إليها، يُسمى بميزان المدفوعات، وهنا يكمن الفرق بينه وبين الميزان التجاري والذي يسجل حركة السلع عن طريق تسجيل حركة الواردات والصادرات من السلع فقط. هذا ويمثل العجز والفائض في ميزان المدفوعات من الناحية الاقتصادية حصيلة الرصيد الصافي للمعاملات والتي تسمى بالفائض إذا ما كانت التحويلات الداخلة للدولة أكبر من تلك الخارجة منها أو بالعجز في الحالة العكسية. أما أهمية ميزان المدفوعات فتتمثل بما يلي: ميزان المدفوعات أداة اقتصادية تحليلية شاملة للاقتصاد توضح هيكل الدولة الإنتاجي والتصديري وبالتالي تساعد في دراسة الوضع الاقتصادي العام خلال فترة معينة. يفيد ميزان المدفوعات في دراسة تطور المعاملات المالية واتجاهاتها عبر الزمن وبالتالي تحديد حالة العجز أو الفائض وهو ما يسهل عملية تحديد السياسات والإجراءات الاقتصادية. ميزان المدفوعات هو المرآة التي تعكس واقع الاقتصاد، حيث يساعد في التعرف على مستوى التداخل بين الاقتصاد المحلي والاقتصاديات الأخرى، وهو ما يؤثر على السياسة الخارجية للدولة وعلاقتها بباقي الدول. يعتبر مؤشرا مهما جدا وأساسيا لتحديد حركة الرساميل الخاصة من وإلى الدولة، وبالتالي تحديد حركة النقد الأجنبي وتوقع حركة التضخم أو الانكماش مستقبلا وهو أيضا مؤشر مهم للمستثمرين، يتم من خلاله الحكم على المناخ الاستثماري للدول عبر تحديد مدى توفر النقد داخليا ومدى سهولة تحويل الأموال خارجيا. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن ميزان المدفوعات يعتبر مؤشرا مهما جدا للنظرة الإستراتيجية لواقع الاقتصاد في الدول، حيث إنه يمثل أداة يمكن من خلالها تحديد ثقوب الدورة المالية للدول وبالتالي معرفة المستفيد الحقيقي من حالة الرخاء الاقتصادي لدولة ما.