هل أفاقت الحكومات الخليجية من سباتها أخيرا فاكتشفت بأن موارد موازناتها السنوية، ومصدر إنفاقها الضخم والمتنامي اعتمدا على مدى اكثر من خمسة عقود على تدفقات المال المحصل من بيع النفط في الأسواق العالمية؟ وبأن بنيتها التحتية ومشاريعها الحديثة ومدنها العصرية ورفاهية مجتمعاتها ودعامات أمنها واستقرارها.. يعود الفضل فيه إلى المداخيل الآتية من "الذهب الأسود" الذي فاض في أسواق ومصانع العالم وأسهم في التقدم والإزهار والنمو؟ بمعنى أن كل هذه الإنجازات التي حولت الخليج من صحراء قاحلة إلى مدن عصرية مزدهرة ما هي إلا هبة الثروة النفطية، هل قادت التذبذبات الحادة في أسعار النفط في الأسواق العالمية في العقد الأخير، واللجوء اضطرارا إلى استنزاف مدخرات وودائع صناديق الاستثمار التي تم بناؤها وتحصينها للمستقبل البعيد، والتوجه نحو الاستدانة المفرطة لمواجهة عجوزات الميزانيات السنوية إلى إحداث وعي متزايد وشعور متنام وإرادة صلبة بأهمية الإسراع في إحداث إصلاحات اقتصادية وتغييرات في نمط التفكير المجتمعي؟ محتواها إعداد المواطن لتقبل واقعه الجديد وتفهم دوافع وأسباب اقرار الضرائب ورفع الدعم عن الخدمات واتخاذ المزيد من الخطوات بشأن تخلي الحكومات عن مسؤولياتها والتزاماتها السابقة تجاه مجتمعاتها، والتهيئة كذلك والعمل على إقرار سياسات تحفيزية شاملة لتطوير القطاعات والأنشطة الاقتصادية الواعدة وجذب الاستثمارات لضمان زيادة وتنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد مستدام يعتمد على جملة من الموارد، وفي سبيله للاستغناء التدريجي عن النفط الذي تواجهه تحديات كبيرة ليس أبرزها أنه ثروة في طريقها إلى الجفاف التدريجي والنفاذ، كما أن دول العالم المعتمدة عليه تسير حثيثا لإيجاد بدائل عنه، حينها ستكون دول الخليج في مأزق اقتصادي خطير قد يقودها إلى خسارة وفقدان كل ما أنجزته عبر العقود الخمسة الماضية، لماذا تأخرت دول الخليج حتى اليوم، فلم تفكر مبكرا في استثمار عوائد النفط السخية في تطوير وتنمية اقتصاداتها وتعظيم منافع قطاعاته وأنشطته وأوردته المتمثلة في الموارد البشرية والسياحة والأسماك والصناعة والزراعة والشراكة الاقتصادية بين دول الخليج وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فأهدرت الكثير من الفرص والمشاريع والمبادرات المشتركة، وبددت الموارد المالية في تمويل ودعم صراعات وأنظمة ومشاريع خارج بلدانها؟ هل ستتمكن الرؤى والخطط والحوارات والبرامج التي تناقش وتعد وتجرى حولها الندوات وتشكل اللجان في إنجاح سياسات التنويع فعلا؟ وهل ستتحقق الإصلاحات الاقتصادية بمعزل عن إصلاحات سياسية تعتمد مرتكزاتها على قيم الشفافية وحرية التعبير وشراكة المجتمعات وتعزيز أدوار المساءلة والمحاسبة ورفع صلاحيات المؤسسات البرلمانية؟ ألا يعكس البيان الصادر عن المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون في دورته الـ "148" الذي أكد على أهمية "مسيرة التكامل الاقتصادي والتنموي بين دول مجلس التعاون، والاستمرار في توثيق التعاون والتكامل بين الدول الأعضاء وصولاً لتطبيق كافة قرارات المجلس الأعلى المتعلقة باستكمال متطلبات الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة. وصولاً لتحقيق الوحدة الاقتصادية..."، حقيقة أننا ندور في ذات الحلقة المفرغة؟. لا شك بأن الوعي المتنامي بخطورة استمرار اعتماد الاقتصادات الخليجية على عوائد النفط، يشكل بداية طريق لتبني وتنفيذ إصلاحات واسعة، والسعي إلى تحقيق وحدة اقتصادية بين دول مجلس التعاون تعتمد على الثقة والتعاون والانتقال من الدراسات والخطط والمبادرات والتنظيرات إلى العمل والتطبيق وتبادل الخبرات والتي يمكن لها أن تؤسس لبناء اقتصادات خليجية نامية تعتمد على التنوع وقادرة على المنافسة والاستدامة والتعاون فيما بينها وتوليد فرص العمل وتعزيز مؤشرات العيش الرغيد.