ما علاقة أداء السياسة المالية بسياسة التقشف؟ هل انخفاض الإيرادات العامة سبب كافٍ لوقف الدعم وإلغاء المشاريع التنموية؟ وماذا يعني اقتصاديا اللجوء إلى التقشف كأداة لمعالجة التوازن المالي في الاقتصاد؟ ذهب البعض من الباحثين الاقتصاديين في مناقشتهم لسياسة التقشف إلى تحليل بعده الاجتماعي وقياس التكلفة الاقتصادية، حيث خلصوا إلى نتيجة واحدة وهي أن التقشف سياسة خطيرة على نمو واستقرار الاقتصاد ويدفع ثمنها الفقراء وذوو الدخل المحدود. لقد أعِدت دراسات وكتبت مقالات عدة حول هذا الموضوع، إلا أن غالبية تلك الدراسات حصرت مناقشتها في الأبعاد الاقتصادية ولم تناقش العلاقة ما بين السياسة المالية أو الاقتصادية وسياسة التقشف.. وهذا ما سوف أتناوله في هذا المقال. يعرف التقشف بأنه إجراءات حكومية تستهدف خفض النفقات العامة حين تنخفض إيرادات الدولة وتكون غير كافية لتمويل مصروفاتها. أي هو برنامج حكومي عنوانه الظاهري الحد من الإِسْرَاف والاستِهلاك غير الضروري والاكْتِفاء بالنفقات اللازمة لتسيير الاقتصاد وأمور المجتمع، ولكن الواقع أن هذا البرنامج يشمل وقف بنود حيوية كثيرة في الميزانية العامة مثل مشروعات البنية التحتية، الدعم الحكومي والمساعدات الاجتماعية الحكومية التي تستهدف الفقراء والمحتاجين، والعلاوات أو أي زيادة في الأجور والرواتب، وقد يشمل أيضا خفض نفقات التعليم والصحة، بحجة أن هذه الخدمات تكبد الدولة مبالغ كبيرة، بالإضافة إلى وقف التوظيف في القطاع العام أو تقليصه إلى حدوده الدنيا. الحكومات التي تلجأ كثيرا لسياسة التقشف تبرر ذلك بانخفاض إيراداتها العامة وغياب الخيارات الأخرى. ولكن ما مدى صحة ذلك؟ المجتمع الخليجي مثلا والذي يعتمد اقتصاده على النفط كمصدر أساسي لإيرادات الدولة اعتاد على سياسة التقشف منذ الطفرة النفطية في بداية سبعينيات القرن الماضي، فبعد كل انخفاض في أسعار النفط تلجأ دول المجلس إلى خيار التقشف. وكلما كان الانخفاض في أسعار النفط أكبر كلما كان التقشف أوسع وأشمل وأكثر تأثيرا وضررا، ليس على ذوي الدخل المحدود فحسب وإنما على الاستقرار الاقتصادي الخليجي. إن الاستخدام المفرط لسياسة التقشف لا يعني بالضرورة إجراء تحصيل حاصل في السياسة الاقتصادية لتعويض انخفاض الإيرادات العامة، كما أنه لا يعبر أيضا عن مصاعب مالية تواجه الدولة، وإنما يعكس عيبا في الإستراتيجية الاقتصادية وخللاً في السياسة المالية وضرورة إعادة النظر في النظام الاقتصادي للدولة. فدول مجلس التعاون والتي تعتمد اعتمادا كليا على النفط بنسبة تتراوح ما بين 85 إلى 90 % من إجمالي الإيرادات العامة، تعتمد على الميزانية العامة كأداة إستراتيجية في صرف واستغلال الإيرادات النفطية، حيث تقوم الدولة بتحويل تلك الإيرادات على الوزارات والمؤسسات الحكومية لتمويل المشاريع والخدمات في مختلف القطاعات الاقتصادية، وهذا يعني أن النشاط الاقتصادي يعتمد على ما تضخه الدولة من بترو دولار في الاقتصاد، بمعنى آخر أن حجم الاقتصاد الوطني أصبح مرتبطا بحجم الإيرادات النفطية التي تعتمد عليها الدولة في تمويل المصروفات العامة. إذن السبب الرئيسي لسياسة التقشف هو ليس انخفاض أسعار النفط فقط وإنما هو أيضا بسبب الاعتماد الكلي على القطاع النفطي وعدم القدرة على تنويع مصادر الدخل. ولذلك حين تنخفض أسعار النفط وتتقلص الإيرادات النفطية تكون الدولة أمام خيار واحد فقط وهو خفض النفقات العامة وترشيد الإنفاق، حتى وإن تضرر من ذلك الاقتصاد الكلي وتراجع معدل النمو ودفع ذوو الدخل المحدود تكاليف التقشف.