(أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) 2 / 3

خرج خير الدين من قراءاته بنتيجة مهمة جدا وهي أن العلاقة بين (النهضة التقنية التي شهدتها أوروبا وحركة تغيير الأفكار الفلسفية والسياسية التي رافقتها..) وطيدة وعميقة للغاية، لذلك استشهد بنظام التعليم الحديث في فرنسا، مراحله وأنواعه، وتحدث عن الأكاديميات والمكتبات العمومية، ليؤكد على الحقيقة التي توصل إليها. تحدث خير الدين في كتابه عن دور الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي وقوته الاقتصادية في نمو موارد الدول وازدهار وتقدم الأمم، عندما يستثمر ضمن خطط مدروسة ويدار بشكل سليم، وأكد على أهمية أن تعد البلدان الإسلامية برامجها وخططها على تحقيق فوائض في الإنتاج يمكنها من تصديره إلى مختلف دول العالم، وأن تعتمد في صناعاتها وإنتاجها على الانتفاع بما تمتلكه من ثروات زراعية وحيوانية ومواد خام في التصنيع وبيعه بأسعار مضاعفة إلى الدول الأوروبية بدلا من تصديره مباشرة إليها وبأسعار زهيدة فتستفيد منه هذه الدول المتقدمة بتصنيعه وتدويره وإعادة بيعه مرة أخرى إلى البلدان الإسلامية بأسعار مضاعفة، (ومصداق ذلك ما نشاهده من أن صاحب الغنم منا ومستولد الحرير وزارع القطن مثلا يقتحم تعب ذلك سنة كاملة ويبيع ما ينتجه عمله لإفرنجي بثمن يسير ثم يشتريه منه بعد اصطناعه في مدة يسيرة بأضعاف ما باعه به وبالجملة فليس لنا الآن من نتائج أرضنا إلا قيمة موادها المجردة دون التطويرات العملية التي هي منشأ توفر الرغبات منا ومن غيرنا، ثم إذا نظرنا إلى مجموع ما يخرج من المملكة، وقايسناه بما يدخلها، فإن وجدناهما متقاربين خف الضرر، وأما إذا زادت قيمة الداخل على قيمة الخارج فحينئذ يتوقع الخراب لا محالة...)، تحذير واضح من مغبة الاعتماد في الاستهلاك وفي تحقيق الأمن الغذائي على ما ينتجه ويصنعه الآخرون، مضى عليه أكثر من قرن، فهل استفدنا من تلك التحذيرات ومن الدروس والمحن التي توالت علينا بالاعتماد على ما تنتجه بلداننا العربية والإسلامية؟ وما مقدار اعتمادنا على الآخر في غذائنا ودوائنا ومقومات معيشتنا اليوم مقارنة بعصر خير الدين؟ لا شك بأن الأرقام صادمة والواقع مخجل وتحذيرات هذا الكاتب وجهده هو وأقرانه من المفكرين والعلماء ومحاولاتهم في استنهاض الأمة وتحفيزها لتحقيق أسباب التقدم والنمو ذهبت أدراج الرياح. في مرحلة أخرى قدم الكاتب رؤيته حول أسباب ومحفزات النهضة الأوروبية وما بلغته من تطور ونمو في العلوم والصناعات تمثلت في: (التنظيمات المؤسسة على العدل السياسي، وتسهيل طرق الثروة، واستخراج كنوز الأرض بعلم الزراعة والتجارة، فالعدل وحسن التدبير من أسباب نمو الأموال والأنفس والثمرات، وبضدها يقع النقص في جميع ما ذكر...). وتضمن الكتاب العديد من المواقف والشواهد التاريخية التي ارتبطت بالدولة الإسلامية في تأكيد على أن إشاعة العدل وترسيخه يحفز الناس ويشجعهم على العمل والضرب في الأرض وحرثها والتركيز على الاستثمار في القطاع الزراعي المؤدي إلى خير العباد وتحقيق متطلبات الموارد والأمن الغذائي، ومن بينها قصة المأمون الذي أقام مع امرأة عجوز في قرى مصر التي أهدت له حين عزم على الرحيل عشرة أكياس من سكة الذهب كلها ضرب عام واحد فازداد تعجبه، وعندما رد لها مالها شفقة عليها قالت (هذا - مشيرة إلى الذهب - من هذه أي طينة الأرض ثم من عدلك يا أمير المؤمنين، وعندي من هذا شيء كثير).