بعد انقضاء أكثر من ثمانية أشهر على تفشي جائحة كورونا ما يزال العالم يواجه شراسة هذا الوباء، ويئن تحت وطأة انتشاره، وما أن تتراجع حصيلة الاصابات والوفيات في دولة ما، حتى تعود بشكل مقلق من جديد، فها هي العديد من الدول الأوروبية والعربية وإيران، تسجل أرقاما تصاعدية لم تسجلها منذ ابريل ومايو الماضيين، تنبئ بموجة ثانية قادمة، فيما تغلق مدن ومدارس وأسواق في بلدان اعتقدت أنها نجحت في احتوائه وتخلصت من تبعاته، فأعادت فتح أنشطتها ومؤسساتها وأسواقها ومطاراتها أمام الحركة التجارية والسياحية، ملحقا الفيروس خسائر فادحة في الأرواح، وأنهك مؤسسات الدول الصحية، واستنزف مواردها المالية التي خصصت لفحص وعلاج الملايين من الناس وتعزيز ودعم المستشفيات والكوادر الطبية وشراء الأجهزة والمعدات والأمصال والأدوية التي تحتاجها، وتخصيص الأموال لتحفيز الاقتصاد الذي أصابته الاجراءات والاحترازات والغلق والعزل لمواجهة ومحاصرة واحتواء الكورونا في مقتل، فقد تراجع نمو اقتصادات الدول الكبيرة وانخفضت مبيعات الشركات والمصانع والعلامات التجارية بشكل كبير، وتعمقت خسائرها، وتوقع صندوق النقد الدولي، «انكماش الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية بحوالي ٤% في ٢٠٢٠م». فيما سجل ثالث أكبر اقتصاد في العالم في اليابان «أسوأ انخفاض بالناتج المحلي الإجمالي في تاريخه»، فانكمش بحوالي ٨% في الربع الثاني من العام مقارنة بالسابق. فيما دخل الاقتصاد الأمريكي مبكرا في «حالة ركود حاد، ويتوقع عدد من الخبراء والمحللين بأن "يستغرق عشر سنوات للتعافي". وتراجعت الصادرات والواردات الصينية بحوالي "٨% في الأشهر الخمسة الأولى من ٢٠٢٠م". وتقدر الأمم المتحدة خسائر الاقتصاد العالمي بحوالي "٨،٥" تريليون. أما قطاعات السياحة والأنشطة التابعة لها، كقطاع الطيران والفندقة والخدمات المرتبطة بالسياحة والمطاعم والمقاهي فسوف تحتاج الى سنوات لتتمكن من استعادة توازنها، فبعضها أعلن عن الإفلاس والتصفية، وأخرى قلصت أنشطتها والكثير منها خفضت أعداد موظفيها بشكل كبير، فهل سيتمكن الاقتصاد العالمي من الافلات من قبضة هذه الجائحة؟ وهل سينجح في استعادة عافيته قريبا، أم سيتطلب الأمر سنوات من التحفيز ومراجعة واقرار وتنفيذ السياسات والتشريعات التي يتطلبها اقتصاد كل دولة بحسب خصائصه وطبيعته وقوته أو ضعفه والفرص التي يقدمها ويمكن اقتناصها واستثمارها؟. توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن يستغرق تعافي الاقتصاد العالمي "عامين على الأقل". ولكن سيظل ذلك مرهونا بتاريخ الاعلان عن موت كورونا والعودة بشكل كامل إلى الحياة الطبيعية. لقد قاد شلل النشاط الاقتصادي الذي تسبب فيه "كورونا" إلى خسائر عميقة في قطاعاته الرئيسية والفرعية، وما تزال اقتصادات العالم حتى اليوم تعمل جاهدة على ضخ المزيد من السيولة لتحفيز الأسواق، واقرار سياسات تبث النشاط في أوردته المختلفة. ففي سلطنة عمان، أصدر البنك المركزي تعميماً إلى البنوك العاملة يفيد بـ "تمديد سريان الحزمة التحفيزية للانتعاش الاقتصادي، والتسهيلات التي تمَّ إعلانها في 18 مارس الماضي فيما يخص قروض المتأثرين بتداعيات جائحة كورونا لمدة 6 أشهر جديدة، بحيث تستمر حتى نهاية مارس ٢٠٢١". فيما أظهرت بيانات النشرة الفصلية للبنك المركزي العماني بأنَّ "نسبة التعثر -القروض عديمة الأداء إلى إجمالي القروض- ارتفعت إلى 4% بنهاية النصف الأول من العام الجاري، وذلك مُقارنة مع 3.7% بنهاية الربع الأول من 2020، و3.4% بنهاية العام الماضي (٢٠١٩)". وقالت منظمة العمل الدولية بأن ١ من بين ٦ من الشباب أصبحوا بلا عمل بسبب كورونا الذي يهدد "دخل نصف القوى العاملة في العالم".