ليس أمرا عاديا ما يحصل في فرنسا اليوم مع الرئيس الجديد، هنالك احترام عالمي له لم يكن موجودا لرئيس فرنسي ودوره ربما منذ ميتران. أهمية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الفرنسية الأخيرة أنها كانت اقتراعا للوحدة الأوروبية ولمنطقة اليورو بعد سنوات من الأزمات، هدف رئاسة ماكرون إعادة الحياة إلى المؤسسات الأوروبية المشتركة. خسارة ماكرون كانت ستقضي على الوحدة وتؤخر التطور، لماذا كان التفكير في الخيار السلبي في وقت تنعم خلاله القارة الأوروبية ببحبوحة فريدة ومتواصلة. نما الناتج في منطقة اليورو 0,5% في الفصل الأول من 2017، أي نسبة سنوية 2% مقارنة بـ 0,7% للولايات المتحدة. تحول ميزان الحساب الجاري في منطقة اليورو من سلبي 1,2% من الناتج في سنة 2008 إلى إيجابي 3,4% في سنة 2016. ارتفاع مبيع السيارات خلال مارس الماضي في منطقة اليورو جعل منها السوق الثانية للسيارات في العالم بعد الصين وقبل أمريكا. المشكلة الأساسية في منطقة اليورو تبقى البطالة، أي 9,5% مقارنة بـ 4,1% في الولايات المتحدة. لا شك أن السياسة النقدية تبقى مختلفة، حيث يرفع المصرف المركزي الأمريكي الفائدة الأساسية، بينما يبقي الأوروبي على سياساته التحفيذية. ماكرون هو اليوم عمليا رئيس أوروبا، كما وصفته مجلة «تايم الأمريكية»، أصبح كذلك بعد التخبط المؤذي الذي يلحق بألمانيا نتيجة الخلاف على التشكيلة الحكومية. من المتوقع أن تتفق «ميركل» مع «شولتز» على الحكومة بطلب من الرئيس الألماني مما يعيد نوعا من الجمود إلى القرار السياسي. لا خيار غير ذلك كما يظهر، باستثناء انتخابات جديدة لا يمكن ضبط نتائجها مع تنامي اليمين المتطرف. في كل حال، ما أدهش العالم هو كيف يمكن لشخص كان مجهولا منذ 3 سنوات ولا قاعدة شعبية له قبل سنة أن يصبح رئيسا لدولة تعشعش فيها التقاليد كفرنسا؟ أولا: العائلة حيث ترعرع في منزل من مستوى تعليمي مرتفع أي أطباء عموما، زوجته كانت معلمته في الآداب واللغة والفلسفة. عندما عينه الرئيس السابق هولاند وزيرا، ربما لم يكن يتوقع أكثر من حسن تأديته للوظيفة، إلا أن الطموح أطاح بالتوقعات. ثانيا: رغب الفرنسيون في نفض أوضاعهم، بل أقله في التجديد لمجتمعهم واقتصادهم ومؤسساتهم. رغبوا في تنفيذ هذا التجديد عبر ماكرون واليوم مع حكومته والمجلس النيابي المشكلين من أفراد مميزين ناجحين في مهنهم ومؤسساتهم، لعلنا نأخذ بعض العبر لعالمنا العربي. ثالثا: أراد الفرنسيون فرض التغيير، ليس عبر سياسي موجود في المجلس النيابي أو في الإدارة وإنما عبر شخص جديد من خارج الطبقة السياسية «خلق» لتنفيذ المهمة. تعب الفرنسيون من انتشار الفساد المالي مع فيللون ولوبن وغيرهما فأرادوا المعالجة. لا ننسى ما قاله رئيس المجلس الدستوري في ماكرون، أي وصفه بالشخص المناسب للوقت الصعب. ماكرون الشخص المستعجل فاز بالسباق الكبير وها هو يقود أوروبا بفضل شخصيته المميزة ووضوح الرؤية وحسن القيادة حتى ضمن المجتمع الدولي الكبير.