أشعر بالامتنان من مساء افتتاح كأس العرب، ليس فقط لأن ما شاهدناه فيه من الابهار جعل رقابنا العربية تطاول السماء، حيث كان كل شيء في الافتتاح مذهلا، وإنما لأن كل العرب وجدوا انفسهم في حفل الافتتاح حتى لو اختفوا من كشف البصمة والصورة للمتأهلين. وللتذكيرا.. لم يكن المجال يسمح بمشاركة اكثر من 16 منتخبا شارك معظمهم (اوتوماتيكيا) بحكم مواقعهم في التصنيف الدولي، وحصلت منتخبات اخرى على فرصة التأهل على بساط منافسة في الدوحة سبقت البطولة وأطاحت بمنتخبات عربية من قاع التصفيات كما هو حال منتخب اليمن ومنتخب الكويت الذي كنت احد محبيه بشغف في زمن زملاء فيصل الدخيل والعنبري وجاسم يعقوب وفتحي كميل.. فما الذي حدث وجعل الغائبين يشعرون بالمشاركة حتى وهم خارجها؟ * في افتتاح كأس العرب في دوحة العرب وعاصمة المونديال القادم غابت دول عربية وحضر نشيدها الوطني. ارتسمت اعلام الغائبين على ارض الاستاد المونديالي العملاق لا فرق بين غائب وحاضر. (رددي ايتها الدنيا نشيدي) من اليمن.. و(وطني الكويت سلمت للمجد..) الى جانب السلام الوطني للبلد المضيف قطر (قسمًا بمن رفع السماء..) ومجموع البلدان الحاضرة والغائبة. * ويا سلام على الرياضة عندما تقول للعالم بلغة الفعل نحن بالفعل أمة عربية واحدة ونستطيع اثبات جدارتنا بأن نكون اصحاب رسالة خالدة، إنها رسالة الرياضة عندما تجمع البعيد مع القريب، وتجمع ما هو حميمي مع ما يحتاج الى ترميم بواسطة القوة الناعمة لدبلوماسية الرياضة. * ولا مبالغة في القول بأن افتتاح كأس العرب كان مذهلا وجدير بأن نرفع له العمايم والقبعات. ورأى العالم فيها بروفة عربية نعم، لكنها كان بروفة ذهبية للمونديال. وراجعوا معي تفاصيل الافتتاح الذي تحول بالفعل الى أُوبرا جميلة عزفها مبدعون عرب على ارض الدوحة، وكان لسان حال ما وراء إبهار اللوحات الفنيه التي أضاءت القلوب قبل ان تضيء السماء. كرة القدم ممثلة بكأس العرب ليست فقط ما نراه في الملعب وفي المدرجات على الطبيعه أو عبر الفضائيات، هناك اشياء كثيرة لا نراها، لكنها تمثّل اهمية كبرى، ربما اكبر من اثارة المباريات، وحسابات المكسب والخسارة ومن يحقق العبور الى الأدوار التالية، ومن يسقط من قاع التنافس داخل المجموعات الأربع؟ * إنها حالة التركيز في سخاء الانفاق على المباني وسخاء الارتقاء بالمعاني عندما يحقق كأس العرب ما يبهر ويحرج جامعة العرب. وكمواطن عربي يستهويني التركيز الشديد على التفاصيل والعناوين معًا، والتركيز على هذه الحالة من التأقلم مع الاهداف بتطويع الصعاب، وتذويب العقبات حتى صح القول بأن درب هؤلاء الذين ينظمون كأس العرب في الطريق الى تنظيم كأس العالم رفعوا شعار غير مكتوب مضمونه. دربنا هو ازالة كل ما يعيق الدرب. * وكلا.. لم تعد الرياضة عموما وكرة القدم على وجه الخصوص تَرفًا وإنما صارت استثمارًا في الحاضر، واستثمارًا في المستقبل. وصارت صناعة وعي، واستحضار لمنظومة من مفاهيم القوة والدبلوماسية والاعلام، ودروس في التخطيط والثبات ومهارات التوازن. * ثم ماذا بعد ايها المونديال العربي وأنت تبدأ بكشف أسماء المحظوظين بالعبور الى المرحلة الثانية من التنافس على كأس عربي جاء بعد انتظار؟ إننا لا نراك في الحقيقة إلا جامع شمل، ومثلاً في التحدي والابهار. وقبل وبعد ذلك.. ما أنت إلا ابتسامة استباقية للمونديال العالمي في عاصمة عربية قرر اهلها احتضان العالم في كأس العالم.