صدور المراسيم السلطانية باعتماد الموازنات العامة للدولة في الأول من يناير من كل عام، التي تبث في نشرات الأخبار وتعرض الصحف لتفاصيلها بالأرقام والمؤشرات والبنود الرئيسة، لم تكن يوما محل اهتمام ونقاش وجدل من قبل أبناء المجتمع - باستثناء عدد قليل من الخبراء والمختصين والكتاب الذين يقدمون تحليلاتهم بشأنها على ضوء بندي الايرادات العامة، والانفاق العام المتوقع أن يبلغ في موازنة 2019 (12,9 مليار ريال عماني بارتفاع قدره 400 مليون ريال عن الانفاق المقدر في عام 2018م). فلماذا يهتم الموظف بالموازنة وحقه في الترقية والعلاوات مضمون؟ ولماذا يكترث الباحث عن عمل والوظائف متوفرة في القطاعين الحكومي والخاص؟ ولماذا ينشغل المستثمر في سوق المال والعقار وهي قطاعات نامية وتحقق عوائد مجزية في سوق نشط وجاذب؟ ولماذا يشعر المواطن بالقلق وهو مطمئن واثق بأن الحكومة بكافة مؤسساتها ضامنة لحقوقه في حياة مزدهرة تكفل له الرخاء والعيش الكريم بما في ذلك دعم الخدمات من وقود وكهرباء وماء وضمان اجتماعي ومستحقات تقاعدية؟ ولماذا يهدر صاحب الشركة وموظفوها الوقت في الاطلاع على بنود الموازنة ومناقشة تفاصيلها وهو متيقن بأن الحكومة ماضية في تنفيذ مشاريعها التي تعتمد شركته في استمرارها ونموها على أرباحها من تلكم المشاريع؟. تغيرت الصورة وتبدل المشهد اليوم فالموازنة العامة للدولة تحولت إلى مجال خصب للحوار والنقاش والجدل بين معظم - إن لم يكن جميع - أفراد المجتمع بمختلف مستوياتهم العلمية وخبراتهم وتخصصاتهم، دافع هذا التغير سببان رئيسيان هما: أولا: الآثار والنتائج التي تسببت فيها تراجعات أسعار النفط في الأسواق العالمية على الحياة العامة وعلى القطاعات الاقتصادية وما أحدثته من قلق بالغ لدى المجتمع الذي تبحث كل شريحة من شرائحه التي أشرنا إليها عن ضوء يبدد قلقها وأمل يحقق طموحاتها وتطلعاتها وأرقام تعزز ثقتها في اقتصادها خاصة فيما يتعلق بمستوى العجز المالي المتوقع والذي حدده البيان العام للموازنة بنحو (2,8 مليار ريال عماني وبنسبة 9% من الناتج المحلي، وسيتم تمويله عن طريق الاقتراض الخارجي والداخلي والسحب من الاحتياطيات)، ومساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي وتقديرات أسعار النفط، وهو ما تحدثنا عنه بالتفصيل في مقالات سابقة. ثانيا: تأثيرات وسائل التواصل، التي تحولت إلى منبر عام لتبادل المعلومات وبث الأخبار وتداول آراء ووجهات نظر الخبراء ولهذه التجاذبات والحوارات والتحليلات التي يشترك فيها الجميع، وتحدث وعيا مجتمعيا متناميا من جانب وضغطا رقابيا لا يستهان به على الحكومة من جانب آخر وفي كلا الحالتين فإيجابيات هذا الانشغال الواسع من وجهة نظري تفوق سلبياته. وفي مقاله على صفحات (أثير الإلكترونية) أوضح الدكتور ناصر بن راشد المعولي الأكاديمي والباحث في الاقتصاد، بأن الموازنة العامة للدولة لعام 2019م، تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي: (الحفاظ على الاستدامة المالية والاستقرار الاقتصادي)، و(تحفيز الاقتصاد الوطني، وتحقيق معدل نمو اقتصادي حقيقي بما لا يقل عن 3%)، و(المحافظة على استقرار المستوى المعيشي للمواطنين). هل ستتمكن الموازنة من تحقيق هذه الأهداف؟ يعتمد ذلك على أسعار النفط في الأسواق العالمية خلال المرحلة القادمة، ونجاح الحكومة في تطوير القطاعات الاقتصادية وتنمية الموارد وتحقيق سياسات التنويع لأهدافها، وضبط الإنفاق.