لم يأت نجاح الدول التي تقدمت في حياتها العلمية والعملية وفي مشاريعها وفي بنيتها الأساسية من فراغ، وإنما جاء ذلك كله عبر عمل دؤوب ومخلص، وإنتاجية دائمة في العطاء، ومن خلال إجراء مزيد من البحث العلمي، والمثابرة في تقديم كل ما هو جديد مع المحافظة على القديم. وهنا نؤكد على أهمية الإنتاجية في تحقيق النجاحات للمؤسسات والدول. فإنتاجية العمالة هي عبارة عن قيمة العمل الذي يقوم به عامل في مدة ساعة. ومع زيادة العمل في تلك الساعة، فإن مستويات الإنتاجية تزداد هي الأخرى مما ينتج عن ذلك تحقيق اقتصاد صحي ومتوسع. ومن هذا المنطلق أصبح الكثير من الدول ومؤسساتها تدرك أهمية زيادة الإنتاجية مع الإبداع في أعمالها لكي تتقدم في مشاريعها واقتصادها، وتعمل جاهدة في توفير كل ما هو جديد في عصر التقنيات الحديثة لتسريع أعمالها، وتسهيل أنشطة مؤسساتها، واستخدام الأجهزة الذكية والروبوتات والذكاء الاصطناعي في حال احتياجها لذلك. ونجد اليوم أن الحكومات تقف وراء مؤسساتها وشركاتها لتطوير قدراتها الإنتاجية لتحقيق مزيد من الإبداعات، الأمر الذي يدفع نمو إنتاجية العامل في عمله اليومي أيضا. ولتحقيق ذلك تقوم بعض الدول ببناء مدارس ومعاهد خاصة لتعليم قضايا تتعلق بالإنتاجية والأعمال المرتبطة بها، وكل ما يؤدي إلى نموها مستقبلا. كما تهتم بالتنافسية التي تؤدي إلى زيادة إنتاجية العامل أيضا. ولكن تبقى جميع تلك المسائل مرهونة بمدى إقبال العامل عليها والاستمرار في تقديم إبداعه وإنتاجيته المطلوبة، في وقت أصبح الكثير من أجهزة الاتصالات الشخصية الحديثة تعمل على إبعاده عن الانخراط في عمله بصورة مرتكزة. وهناك اليوم نقاش طويل حول إنتاجية العامل أو الموظف العربي حيث تشير بعض الدراسات العربية إلى أن إنتاجية الموظف/ العامل العربي عموما هي في أدنى الدرجات مقابل ما يتم في الدول الأجنبية الأخرى. وقد توصلت دراسة أجريت قبل عدة سنوات لاتحاد تنمية الموارد البشرية المصري إلى أنّ معدل إنتاجية الموظف الحكومي العربي يتراوح ما بين (18) إلى (25) دقيقة يومياً، فيما ترى دراسة أخرى أن معدل إنتاجية العامل العربي لا تتجاوز 45 دقيقة في اليوم. وهناك انطباع لدى الكثير من رجال الأعمال في المنطقة بأن العاملين في المؤسسات العامة والخاصة غير منتجين ويشكلّون عبئا إضافيا على المؤسسات. وموضوع «الإنتاجية» كما هو معروف عنه، موضوع متشعب وكبير ومهم لجميع أطراف العمل، ويحتاج إلى تسليط الضوء عليه وإجراء مزيد من الدراسات عنه لمعرفة الجوانب الإيجابية والسلبية للأيدي العاملة الوطنية وتقويم الخلل لاحقا. المرحلة الحالية تتطلب ضرورة الاستثمار في العقل العربي وتوفير الدعم المالي الحقيقي لإنجاح الموظف/ والعامل لزيادة إنتاجيته كما هو متبع في الكثير من الدول الأخرى التي تستثمر في رأس المال البشري وتركز على المحور التعليمي ومخرجاته، وضروة اتباع النموذج الغربي الذي ينفق من 2 إلى 5% من مجموع أجور العمل في عملية تدريب مستمرة لتحقيق النجاحات الاقتصادية المرجوة في جانب الإنتاج. كما يحتاج هذا الأمر إلى توفير سبل الراحة، والأمان الوظيفي للعمال والموظفين، وإعطائهم الأجور المناسبة تجاه مجهودهم المبذول، وتعاملهم بإنسانيّة ورحمة، وتقصير المسافات بينهم وبين أرباب عملهم.