قدرت وأنا أتسوق قبل عدة أسابيع قليلة من محل تجاري مشهور، بأن ما وضعته في عربة التسوق الصغيرة المحمولة في اليد من سلع غذائية لن يتعدى العشرين ريالا عمانيا، فإذا بالجهاز الالكتروني يعلن عن رقم مضاعف لما قدرته، وبعد مراجعة لقائمة مشترياتي المتواضعة والتحاور مع المحاسب وبحث أسعار كل سلعة على حدة، تبينت حقيقة ما تشهده أسواقنا من نمو متسارع في قيمة سلتنا الغذائية الرئيسة التي لا تستغني عنه أي أسرة مهما طبقت من سياسات التقشف ومراجعة الخيارات المتاحة... ساعتها فكرت في تلك الشريحة الواسعة التي تشكل الطبقة الأكثر كثافة وعددا من سكان الوطن العربي الذين يحصلون على أجور منخفضة جدا لا تكاد توفر لهم الاحتياجات الأدنى من متطلبات العيش، ويعيلون أسرا كبيرة، وأصحاب معاشات الضمان والمسرحين والباحثين عن عمل أو العاطلين لسنوات... مردفا الملاحظة بالتساؤل عن الخيارات والحلول والكيفية التي سوف يتدبرون بها حياتهم ويوفرون خدمات الصحة والتعليم والحياة الكريمة لأبنائهم في ظل هذا الارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات ونمو التضخم... بدون تدخل ومساعدات حكومية؟ وهل تدرك أو تعي الأنظمة العربية والمسؤولين في مؤسساتها المتخصصة المخاطر الجمة والعواقب الوخيمة للسياسات المتبعة في إدارة اقتصاداتها، وغياب الخطط والبرامج الفاعلة والناجحة لتحقيق نهضة اقتصادية شاملة وتعزيز متطلبات الأمن الغذائي وتوفير السلع ورفع الأجور والتيسير على المواطنين... بمعنى تغيير الواقع البائس والحياة المؤلمة التي تعيشها معظم المجتمعات العربية؟ وهل ستتمكن بلدان عربية كمصر والأردن ولبنان والسودان، وغيرها، التي تعاني من انهيارات عملاتها ومن حروب وصراعات وانكماش اقتصادي وفساد مالي متغلغل ومتجذر من تجاوز محنة التضخم الذي يكاد يقضي على كل ما يمتلكه المواطنون من مدخرات وأجور وحيل وخيارات وفرص... في وضع يائس لا يترك أمامهم إلا ما يحسب له ألف حساب، الغضب العارم والاحتجاج والانفلات والثورة التي قد تقضي على بعض النظم ذاتها؟. إن مراقبة أسعار السلع الغذائية في السوق، وإحداث إصلاحات سياسية واقتصادية تعالج ملفات الفساد ولجم حيل الفاسدين، ومراجعة سياسات الضرائب والرسوم، وزيادة الأجور... يمكن أن تسهم بشكل كبير في معالجة مشاكل التضخم وآثاره الخطيرة، ولا سبيل أمام الحكومات لتجاوز القلق والخوف من ثورة الشارع وتحقيق رضا المواطن سواها... مع العلم بأن مصطلح "التضخم"، يطلق على ظواهر ومؤشرات وتقلبات عديدة ذات علاقة وثيقة بالاقتصاد، ترتبط بالأجور والأرباح وارتفاع التكاليف... وما يعنينا في هذا المقال هو، التضخم الذي يعرف بأنّه الزيادة التي "تظهر بشكلٍ مُستمر على الأسعار الخاصة بالخدمات والمنتجات، ولم تتمكن السلطات الحكوميّة من فرض السيطرة عليها". وقد يكون مبعث القلق الذي يتسرب هذه الأيام إلى بعض الأنظمة العربية، الضغوطات النامية بسبب ارتفاع نسب التضخم وزيادة أسعار السلع الغذائية في الأسواق المحلية، بدافع من تأثيرات جائحة "كوفيد١٩" والحرب الروسية الأوكرانية، والخوف من أن يتسبب ذلك، في ثورات شعبية جديدة، وانطلاق "ربيع عربي" آخر، لن تكون نتائجه بالطبع كسابقه، الكثير من الجهود العربية، ووفقا لتسريبات صحفية، تسعى إلى دعم كل من مصر والأردن، ماليا لكي تتمكن من محاصرة التضخم والابقاء على دعم بعض السلع الأساسية، وتثبيت أسعارها، ومساندة العملة المحلية، ودرء البلدان العربية مظاهر الاحتجاج والغضب الشعبي وانفلات الأمن والثورات العارمة... فهل ستنجح الجهود في تجاوز أضرار التضخم البالغة التي تكاد "تقصم ظهر البعير"؟.