«كورونا» الدرس البليغ

في مقالات سابقة نشرتها "لوسيل"، عرضت لدور الاقتصاد في نهضة الأمم وتقدم وبناء الشعوب، وأوضحت أنه المحرك الأساسي والعجلة الصلبة لتحقيق الريادة والابتكار وتنفيذ الغايات العظيمة لمستقبل ناجح. إنه الروح التي تنفخ الحياة في جسد الدولة، فتنعش قطاعات وأوردة وسواقي الوطن بالنشاط والحركة والعمل والمثابرة، فيزدهر الإنتاج وتنمو الموارد وتتضاعف الثروات التي تستثمر في إنشاء المصانع وإصلاح الأراضي الزراعية وتوفير الغذاء وتحقيق الاكتفاء الذاتي منه. لقد نجحت دولة قطر بتحقيقها المركز الأول عربيا والثالث عشر عالميا وفق مؤشر الأمن الغذائي في 2019م، وتطوير المراكز البحثية وتأهيل قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، التي تضمن تقدم الوطن وإلحاقه بالركب الحضاري العالمي، واستقرار المجتمع ورخائه وازدهاره. والأهم من كل ذلك أن يبلغ اقتصاد أي دولة نموا وقوة وصلابة ومتانة يمكِّنها - أي الدولة - من مواجهة الأزمات وتجاوز الكوارث والجوائح والتعامل معها بكل اقتدار، مسايرا ومواكبا لمراحل النهضة العلمية الذي بلغه العصر، كما هو حال جائحة (كورونا)، التي يواجهها العالم اليوم، بتمويل البحوث العلمية التي من شأنها دراسة الأمراض والأوبئة والتنبؤ بها وكشف أسبابها وإقرار الآلية السليمة للتعامل معها وصناعة الأدوية والأمصال، والاستثمار في العلماء والأطباء والقائمين والمشرفين على مراكز البحوث العلمية واحتضان وجذب المواهب، وضخ الأموال لتحفيز الأسواق وتنشيط القطاعات المتأثرة التي تتضرر وتصاب بالخمول والكساد بهكذا أزمات، كما هو نموذج كورونا القاسي على الاقتصاد العالمي. لقد تابعنا تسابق حكومات العالم المتقدم إلى تصنيع ووضع اللوازم الطبية كالكمامات والمعقمات والأدوية والأمصال وأجهزة التنفس الصناعي وغيرها للإسهام والتخفيف والتعامل مع أعداد المصابين بكورونا، وبناء المستشفيات وتجهيزها وإنهائها خلال أسابيع قليلة، ومسابقة الزمن للتعرف على خصائص هذا الفيروس وآلية التعامل معه وأسبابه وإجراء البحوث والتجارب لاكتشاف الدواء الناجح للشفاء والوقاية.. وتخصيص وضخ الأموال لتحفيز وتنشيط الأسواق وإنقاذ ودعم الاقتصاديات الوطنية. وقد خصصت الدوحة 75 مليار ريال قطري لتحفيز اقتصادها بجانب عدد من السياسات الإعفائية الأخرى، وثبتت «وكالة إس آند بي للتصنيفات الائتمانية نظرتها المستقبلية على المدى البعيد للدوحة عند مستقرة، وأشادت بالإصلاحات الاقتصادية التي تجريها لتنويع اقتصادها»، فيما أقرت الحكومة الأمريكية ضخ تريليوني دولار لتحفيز الاقتصاد الأمريكي. تسابق دول العالم المتقدم الصين - أمريكا - فرنسا - ألمانيا - روسيا - بريطانيا الزمن في هذه اللحظة الفاصلة في اختبار ودراسة وإنتاج دواء ناجح للكورونا لأنها تمتلك الموارد المالية الكافية والخبرات والمهارات والقواعد والأساسات والهياكل والبنى الصلبة والمراكز المختبرية والمؤسسات البحثية والعلمية المتقدمة، للقيام بهذا الدور الذي تنتظره دول العالم المتخلف بشغف وعجلة، ونتابع في الوقت ذاته زيارات متتابعة للمسؤولين في عدد من دول الخليج والبلدان العربية إلى الصين لشراء واستقدام الأجهزة والأدوية الطبية. لقد أكدت جائحة كورونا بأن الدول ذات الاقتصادات القوية والهياكل والمؤسسات الصحية المتقدمة والمختبرات والمراكز البحثية التي تم الاستثمار فيها بنجاح هي الأقدر والأصلب على مواجهة الكوارث والجوائح والأوبئة، وعلى الدول العربية إذا أرادت أن تكون لها مكانة متقدمة في الركب العالمي أن تستفيد من درس كورونا البليغ بكل مراراته والاستعداد لعالم جديد قادم بالاستثمار في مواردها وقطاعاتها المتعددة وفي العلم والمعرفة.