في الاقتصاد، يتسابق المتخصصون في الكلام عن الناتج المحلي الاجمالي، وكأن المادة هي المقياس الوحيد للتطور والحضارة والسعادة. في الواقع قال "أدام سميث" مؤسس العلوم الاقتصادية إن الأخلاق هي أهم ركيزة للاقتصاد الحر، وبالتالي أي عملية اقتصادية يجب أن ترتكز على حسن التنفيذ والشفافية. لم يدخل الاقتصاديون مبادئ الأخلاق كما يجب في الدراسات ليس جهلا، وإنما لصعوبة تقييم الأخلاق في الأرقام. أما اليوم وبسبب تفشي السرقات والهدر والغش وعودة الحروب المدمرة، عادت الأخلاق والثقافة والحضارة لتأخذ مكانها الطبيعي في العلوم والتطبيق الاقتصاديين. نذكر ما قاله "روبرت كينيدي" في أن الناتج يقيس كل شيء سوى الأمور التي تجعل الحياة مهمة وتستأهل الاستمرار بها أي النوعية وحسن الأداء والأخلاق. في لبنان هنالك من يقول إن المبادرات الخارجية للإنقاذ هي الفرصة الأخيرة، في الواقع ليست هنالك فرص أخيرة لأي دولة أو مجتمع، ولابد للفرص المستقبلية عربية أو أجنبية من أن تظهر. تفويت الفرصة "الماكرونية" كان مكلفا على الاقتصاد وبالتالي مضر للبنان، من الأفضل للسياسيين، عن معرفة أو عكسها، ألا يضخموا الأمور ويجعلوا اللبناني يتشاءم أكثر. فليقل السياسيون له إن المبادرات الخارجية هي لمصلحته وبالتالي فلنضغط جميعا لعدم تفويتها في هذا الظرف الدقيق. تشكيل الحكومات يأخذ دائما الوقت الطويل في لبنان، وكأننا نشكل حكومة للعالم أجمع وليس لنا فقط. أما الصحافة اللبنانية عموما وفي كل الظروف حتى الانتخابية، لابد وأن تركز أكثر على الأمور المهمة وليس على أخبار السياسيين التي لا يمكن وصفها الا بالدعائية ولا تهم الا السياسيين أنفسهم. في كتاب لروبرت بوتنام "كي تعمل الديمقراطيات" صدر في 1993، تكلم عن أهمية الرأسمال الاجتماعي الذي يحدد هوية المجتمعات وقابليتها للتطور. في الدول التي يتواجد فيها رأس مال اجتماعي قوي، يستثمر المواطن أكثر في الأسهم وأقل في النقد والاقتراض غير الرسمي. في الدول التي يخف فيها عامل الثقة، من الصعب تأسيس شركات كبيرة تستفيد من عامل وفورات الحجم لتخفيض التكلفة، فلا تستعمل التكنولوجيا الحديثة للإنتاج. هنالك مثلا فارق في حجم الشركات بين شمال إيطاليا المتطور وجنوبها التقليدي. في الشمال معدل الحجم 13 موظفا مقارنة بـ 5 في الجنوب، وكلها بسبب رأس المال الاجتماعي الذي يؤثر بقوة على عامل الثقة. في الشمال، المؤسسات أقوى وتحترم فيها القوانين كما البيئة ويركز المواطن أكثر على الإنتاج للنمو. من واجب كل مجتمع أن يقيم ويفسر حجم الفقر الداخلي. سواء توزع الدخل والثروة ليس تقنيا أو اقتصاديا فقط، بل نتيجة خيارات سياسية وعقائدية كبيرة. للأسف تدفع كورونا كما الحرب الروسية الأوكرانية العالم بالاتجاه المعاكس، أي إلى اتخاذ قرارات قصيرة المدى تؤدي إلى زيادة الإنفاق الأمني وتخفيف الإنفاق الاجتماعي مما ينعكس سلبا على الفقراء. ما نسمعه في كل الدول وخاصة الأوروبية من خطابات سياسية متطرفة مقلق ويضرب ركائز المجتمعات.