لبنان في أوضاعه الحالية والمتوقعة لا يجذب الاستثمارات الداخلية والخارجية. هذا ليس تشاؤما، بل أن الأمور واضحة للجميع. الأهم هو تحديد المصادر غير الجاذبة حتى تتم المعالجة عندما تهدأ الأمور السياسية. حتما التأخر المتكرر في تشكيل الحكومات غير مقبول، وهنالك من يطالب بمؤتمرات تأسيسية أو تغيرات جوهرية في الكيان. هنالك في لبنان من يعتقد بأن العالم أجمع لا ينام بسبب التأخر في تشكيل حكومات أو بسبب الخلاف حول توزيع الحقائب الوزارية. لذا نأخذ وقتنا ونهدره الى ما لا نهاية. هل مقبول أن يجهل المسئولون أن الدول الرئيسية وغيرها عندها من المشاكل الداخلية السياسية والصحية والاقتصادية ما يكفيها؟ وهي بالتالي غير قادرة على حل أمورها فكيف تنشغل بأمورنا قبل الحرب الأوكرانية ومعها؟ هل مقبول عدم النضوج السياسي الى هذا الحد؟ ما يدعو للعجب انه وفي دول أخرى، أوضاع كهذه تقرب السياسيين بعضهم من بعض لايجاد الحلول متناسين الأمور السطحية والشخصية لمعالجة المشاكل الأساسية والوطنية العميقة. في ايطاليا، حاول رئيس الوزراء السابق "جوسيبي كونتي" تشكيل حكومة جديدة وفشل. انتهت مسؤوليته وتم تكليف "ماريو دراغي" حاكم المركزي الأوروبي السابق بها، فشكل حكومة وينفذ واجباته. خسر الرئيس ماكرون الانتخابات التشريعية ويحاول مع المعارضة الاتفاق على آلية لحكم البلاد. هنالك أمثلة أخرى حيث أيضا ينتقل الحكم من مسؤولين الى آخرين بهدوء وطوعا لأن الأولوية هي المصلحة العامة. هنالك استثناءات كحال الرئيس الأميركي السابق ترامب الذي ما زال لا يعترف بخسارته أمام الرئيس جو بايدن. في لبنان الخلافات تتعقد مع وصول المؤشرات الاقتصادية الى مستويات مقلقة. هل هكذا يتحمل السياسيون المهمات العامة؟ المشاورت الداخلية بشأن حل المشاكل تبقى أفضل وأسرع من ادخال الخارج أو دعوتهم لحلها. نعاني أيضا من غياب الوسطاء المقبولين من جميع الفرقاء. فأين هو مستقبل الأجيال الجديدة التي لا تجد عملا وتحاول الهجرة اذا استطاعت؟ الخروج ليس سهلا بسبب شح جوازات السفر والفيزات والكورونا وصعوبة التواصل في العديد من الأحيان. في مؤشر البنك الدولي لسهولة الأعمال، يقع لبنان في المرتبة 143 من أصل 190 دولة قيمت حديثا. في مؤشر الفساد، يقع لبنان في المرتبة 149 من أصل 180، علما أن معدل تقييمنا هو 25100 أي علامة متدنية وتؤشر الى السقوط في أي امتحان. هنالك عوامل تؤخرنا وتقلقنا والصراع الداخلي حولها كبير. نعلم جميعا أن حجم الاقتصاد الوطني تدنى من 60 مليار دولار في 2019 الى 20 مليار دولار بسبب سقوط الليرة وتواصل الاحتجاجات والاضرابات والتأخر في تشكيل الحكومات وغياب الاستثمارات والخلافات السياسية. تدنى معدل دخل الفرد اللبناني من 12 ألف دولار سنويا الى أقل من 4 ألاف دولار مما يضعنا جميعا في موقع الفقر الذي لا نحسد عليه. لم يعد للأجور قيمة خاصة في بلد يستورد معظم حاجاته. واقعا أصبح الميسورون فقراء فكيف بالفقراء أنفسهم.