طريق الحرير.. طريق شائك

طريق الحرير مصطلح حديث أطلقه العالم الألماني البارون فرديناند فون ريشتهوفن بالقرن التاسع عشر على شبكة طرق التجارة والمواصلات التي تربط الصين بالعالم، ونظرا لأن الصين كانت أول دولة في العالم تزرع التوت وتربي ديدان القز، فقد استطاعت أن تحتكر إنتاج الحرير وتحافظ على سر تصنيعه لنحو ثلاثة آلاف سنة، حتى إنها كانت تعدم كل من يتجرأ على إفشاء سرّ إنتاجه، وبعد أن ذاع صيت الحرير الصيني في العالم وأصبحت الصين أكثر الدول شهرة بجودة إنتاجها منه، تم نقل كميات كبيرة من المنتجات الحريرية الصينية إلى الغرب عبر هذا الطريق ومن هنا جاءت التسمية. هذا وينسب البعض الفضل في إقامة طريق الحرير للجنرال زانغ كيان الذي فتح الطريق بين الصين والعالم في القرن الثاني قبل الميلاد حين أرسله إمبراطور الصين إلى الغرب في رحلة ديبلوماسية شكلت بداية الإتصال الرسمي بينهما وأسست لاحقا لفتح طرق التواصل والإنتقال. يتألف طريق الحرير من عدة مسالك برية وبحرية بطول يفوق 10 الاف كيلومتر، تربط منطقة شرق آسيا بالقارة الأوروبية، وهي طريق دولية تهدف الى تعزيز العلاقات التجارية والثقافية والإنسانية بين الدول من خلال تسهيل عمليات تبادل السلع والخدمات، وكذلك الإختراعات والافكار بل وحتى الثقافات والمعتقدات، وقد بقى طريق الحرير البرى مستخدمًا حتى القرن السادس عشر حيث إندثرت معالمه فباتت عملية نقل البضائع والسلع تأخذ مسارات بحرية منتظمة، خاصة في ظل سهولة عملية النقل البحري وإنخفاض تكلفته. ونظرا للأهمية الكبيرة التى إكتسبها طريق الحرير قديما، وبناء على دوره المهم في إزدهار الكثير من الحضارات، ومع الثورة الصناعية الأخيرة ونمو الاقتصاد الصيني السريع وإعتماده على التجارة الخارجية حيث أصبح يمثل أكثر من 40% من حجم التجارة العالمية، بات تأسيس طريق جديدة للحرير مطلبا استراتيجيا مهما لتأمين وصول المنتجات والسلع الصينية الى جميع الدول، خاصة في ظل الصراعات الإقليمية الكبرى التي تمر بها معظم المنافذ التجارية في العالم، وذلك بهدف ضمان طريق تجارية أمنة تحافظ على سهولة تنقل البضائع والسلع وتحافظ على حصة الصين السوقية، وهنا كانت فكرة إحياء طريق الحرير التجارية وهي المبادرة التى أطلق عليها إسم طريق الحرير الجديد. أكثر من خمسة وستين دولة هو عدد الدول التي من المتوقع أن يمر بها طريق الحرير الجديد ليؤمّن وصول السلع و البضائع الصينية الى حوالي 60% من سكان العالم، وهو الطريق الذي وصفه الرئيس الصيني عام 2013 بالمبادرة الجديدة التى تهدف الى تعزيز التعاون الاقتصادي بين الصين والعالم، وتوقع أن يتم ذلك عن طريق إعادة إنشاء شبكة الممرات البحرية القديمة لخلق طريق حرير بحري يدعم حركة التجارة ويعزٌز التبادل بين الدول، أما وزير الخارجية الصيني فاعتبر أن هذه المبادرة تتضمن نحو الألف مشروع لربط الدول الأوروبية والآسيوية التي يمر بها الطريق بشبكة من الطرق البرية والبحرية وخطوط الطيران، فضلا عن الأنابيب وشبكات الإنترنت، وهو برأيه ما يهيئ الظروف اللازمة للتنمية الاقتصادية. أما أهم التحديات التي قد تواجه إقامة هذا الطريق فهي: التكاليف المالية الكبيرة المطلوبة لتأهيل وتجهيز الطريق خاصة لبعض الدول التي لا تملك بنية تحتية جاهزة حيث بلغت التكلفة التقديرية للمشاريع التطويرية للطريق حوالي 1.2 تريليون دولار أميركي. المشاكل والآثار البيئية التي من الممكن أن يسببها الطريق خاصة فيما يتعلق بالثروة المائية. طول المدة اللازمة لبناء هذا المشروع، و صعوبة عملية التنسيق بين 65 دولة مختلفة. تخوف بعض الدول التي يمر بها الطريق من ميزة المنتجين الصينيين التنافسية والتي قد تحولها الى دول مستوردة غير قادرة على المنافسة الصناعية لاحقا. العقبات الجيوسياسية التى قد يضعها المنافسون التجاريون للصين، لحماية إقتصادياتهم من التراجع في حال إزدهار هذه الطريق. صعوبة تحقيق مستوى مرتفع من العائدات للمشروع، كونه استثمار طويل الأجل، ذو أهداف تجارية وغير تجارية. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن الصين وبما تملكه من ميزات تنافسية هامة على مستوى التكلفة والتكنولوجيا الصناعية والتي قد تجعل من منتجاتها وبضائعها أسطورة يصعب منافستها، فإنها لو إستطاعت تأمين خط تجارة عالمي يقبع تحت إدارتها وحمايتها فإننا وبلا شك سنغير مقولتنا الشهيرة لتصبح «كل الطرق تؤدي الى بكين وليس إلى روما».