نِزاعات اقتصادية وحروب مالية، قتال بين معظم العملات في دول العالم، حلبات للتحدي تدور عليها وبشكل يومي نِزالاتٌ بين المستثمرين الدوليين وبعضهم البعض، اخبار سلبية وأخرى إيجابية، تغيرات كثيرة تطرأ على العالم كل يوم بل كل ساعة ودقيقة، تحدِّيات جديدة تواجه مُدّخرات الشعوب، فمنهم من يفقد قيمة أمواله لمجرد احتفاظه بها في شكل عُملة مُعيّنة، ومنهم من يصرفها ليشتري الأراضي والذهب وغيرهم الكثير والكثير، بعضُ من كُل وجزء من كثير، هذه القصص التي باتت تتكرر بشكل يومي جعلت من انخفاض قيمة العملات السبب الأول والأهم لخسارة الشعوب وفقدان الناس جزءا غير قليل من قيمة أموالهم ومُدّخراتِهم، فها هي الليرة اللبنانية تبطش بحامليها بعد تدّنِّي قيمتها أكثر من عشرين مرة، وها هو البوليفار الفنزويلي يحمل بين ألوانه الزاهية شبح الفقر والافلاس وكذلك الجنيه السوداني الذي حوّل جيوب السودانيين الخضراء لصحراء قاحلة وغيرهم العديد من العملات حول العالم والتي كانت ومنذ مُدة مادة دسمة لحديث الاقتصاديين عنها وعن مدى هشاشتها الاقتصادية والأساسية وهو ما جعل من نزولِها وبرغم قساوته حدثا كبيرا ولكنه مُتوقع، وهو تماما ما لم يحدث مع اليورو، فتلك العُملة الحديثة كانت ولا زالت تحمل الى أذهاننا وفور سماعها ربوع سويسرا ومصانع ألمانيا وفنادق باريس وهو ما جعل من إمكانية الثقة بها أعلى بكثير، لتأتي وعلى حين غُرّة الحرب الروسية الأوكرانية وتمُد نفوذها على خارطة القارة الأوروبية ساحبة خلفها جمود الاقتصاد وهيبة الأموال الدافئة لتمحوها وتقول للعالم أجمع " في عالم العُملات ليس هناك من كبير" نعم هي الجملة التي جعلت اليورو يكسر مستوى الدولار ويعاني خلال العام الحالي من سلسلة من الهبوطات القاسية ليصل خلال الشهر الحالي لأقل مستوى له منذ عشرين عاما ويلامس مستويات ال0.988 دولار لكل يورو، نعم يا سادة إنها عودة عقارب الساعة والزمن الى ديسمبر 2002 ليعود اليورو سالما غانما الى حيث كان، بطريقة تُذكّرنا بعودة الابن الضال بعد سنوات من الغربة والفراق حين يعود ليجد عقابه بانتظاره، وهنا يظهر السؤال المهم، فما هو اليورو بالتحديد؟ وكيف ظهر؟ وما هي أسباب وتداعيات انخفاض قيمته؟ ومن هي تلك الجهة التي تعمل على حل مشاكله ودعمه؟ اليورو أو الأورو وعلامته هي التالية (€) وهو العملة الرسمية والقانونية التي اعتُمد اسمها وهو (اليورو) رسميًا في مدريد في 16 ديسمبر 1995 لتُقسّم إلى 100 سنت ويتم تداولها في منطقة اليورو منذ الأول من يناير 1999 وذلك ببدء اعتمادها حينها في 11 دولة من أعضاء الاتحاد الأوروبي حيث تم ذلك بطريقة إلكترونية فقط، لتتخذ بعد نجاحها الكبير وارتفاع الطلب عليها شكل الأوراق النقدية والعملات المعدنية المعروفة لدينا بدءا من أول يناير 2002 وهو تاريخ اصدار أولى أوراق هذه العُملة التي انتشرت سريعا بفضل قوة اقتصاديات الدول التي تعتمدها لتصبح اليوم العملة الرسمية للمنطقة التي تضم ما يُقارب 343 مليون شخص يتوزعون على تسع عشرة دولة أوروبية وفقًا لإحصاءات العام 2019، لتصبح بذلك هذه العملة هي ثاني أكبر العملات وأكثرها تداولًا في سوق صرف العملات الأجنبية بعد الدولار الأمريكي، عِلما بأن كرواتيا ستكون الدولة الـ 20 التي سوف تعتمد اليورو كعملة رسمية لها وذلك بعد الموافقة النهائية من دول الاتحاد الأوروبي على طلب تقدّمت به، حيث سيدخل هذا القرار حيّز التنفيذ في الأول من يناير 2023. وبالعودة للحديث عن أداء هذه العملة تاريخيا فمن المهم ملاحظة ما يلي: في 1 يناير 1999، أُدرِج اليورو في الأسواق المالية العالمية بوصفه وحدة حساب نقدية، ليحل بذلك محلّ وحدة النقد الأوروبية بما يعادل 1.1743 دولار أمريكي وبحلول اكتوبر 2000 وصل اليورو إلى 0.8228 دولار أمريكي وهو المستوى الأقل له على الاطلاق ثم وفي أقل مِن ثماني سنوات ارتفعت قيمة تداوله ليبلغ ذروته ويصل الى 1.6039 دولار أمريكي وذلك في يوليو 2008، ومنذ ذلك التاريخ بدأت رحلة الانخفاض ليصل في العام 2010 الى مستوى 1.1877 دولار حيث كان ذلك في خضّم أزمة الديون الأوروبية واحتمالية افلاس اليونان والأزمة المالية العالمية، وهو ما أفضى إلى تأسيس صندوق الإنقاذ المالي الأوروبي بالإضافة إلى تنفيذ إصلاحات تنشد تحقيق استقرار العملة وتعزيزها في ذلك الوقت ليعود ويرتفع مُجدّدا ويقترب من مستويات ال 1.5 دولار عام 2011، قبل أن يرجع لاختبار مستويات 1.0340 دولار في بدايات 2017 ومنذ ذلك الحين وهو يتأرجح بين ال1.05 وال1.26 دولار وهي الأرقام التي صمدت حتى يوليو 2022 حين سجّل اليورو انخفاضه مرة أخرى لمستويات ما دون الدولار ليسجّل بذلك 0.995 دولار أمريكيا، نعم انخفاض كبير أطاح بمُدّخرات شعوب قارة بأكملها، بل يُمكِننا القول أنها قد تعدّت حدود القارة لتضرب أرصدة بنوك مركزية واحتياطات نقدية لدول كثيرة، نعم أكثر من عشرين بالمائة هي خسائر مُحقّقة حتى الان في القيمة الشرائية لحاملي العملة الأوروبية المُوحّدة منذ عام وحتى الان. هذا ومما هو جدير بالذكر أن أهم أسباب انخفاض اليورو هو ما يحدث في العالم اليوم من تزايد المخاوف حول الانكماش والركود اقتصادي خاصة في ظل ارتفاع خطر التضخم العالمي والاوروبي خاصة بسبب حالة الضبابية وعدم اليقين التي تحيط بإمدادات الطاقة والغاز الروسي التي تناهز قرابة 40% من واردات القارة العجوز وهو ما يزيد من مخاوف الأوروبيين بشأن قدرتهم على تأمين حاجاتهم من الغاز والوقود خلال فترة الشتاء القادم، كذلك فإن تصريحات الفيدرالي الأمريكي وخططه المُعلنة حول زيادات قادمة وسياسات هجومية في رفع أسعار الفائدة على الدولار، تضع عملة أوروبا الأولى في موقع لا تُحسد عليه وهو ما يجعل كثيرا من المراقبين يتوقعون استمرار انخفاض قيمة اليورو في الفترات القادمة خاصة في ظل عدم تدخُّل البنك المركزي الأوروبي كثيرا في دعم اليورو وهي السياسة التي يراها البعض سببا رئيسيا لتعرضه للمشاكل والهبوط. وأخيرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن العملات والبنوك المركزية تمُر في هذه الأيام بفترات صعبة يواجه فيها كل فريق حربا حقيقية على قيمة عملاته وقدراتها الشرائية ليحمل بذلك أوزارها الشعب الكادح العامل، علما بأن كثير من تلك الدول قد تستفيد بشكل أساسي من انخفاض قيمة عُملتها وبالتالي انخفاض أسعار منتجاتها عالميا وهو الأمر الذي يجعلها أكثر جذبا للتجارة الدولية والتصدير الخارجي وخاصة بالنسبة للمنتجات التي تعتمد على مواد أولية وعمال محليين، فضلا عن ما يترتب عن ذلك أيضا من آثار مختلفة على الديون والقروض الداخلية للحكومات والبنوك المركزية، ولكن وبرغم ذلك فإننا نعود ونقول بل ونؤكد وبشكل حاسم أن الانخفاض والارتفاع والتقلُّب الدائم هو الصفة الأبرز للعُملات والنقود منذ فجر التاريخ وهو أيضا السبب نفسه الذي يجعل من سوق الذهب والفضة أكثر رواجا وطلبا، وهنا أتذكر مقولة الكاتب الفرنسي " جوزيف جوبيرت " الشهيرة حين قال " في التجارة، استخدم فقط العملات المعدنية من الذهب والفضة".