يواجه تطوير المدن في الدول النامية صعوبات ناتجة عن الانتشار السكاني السريع وعن غياب الإيرادات المالية لتأمين العيش الهادئ. ما هي أبرز التحديات التي تواجه المدن في الدول النامية؟ التوسع المدني السريع أي توسيع الفقر وانتشاره دون درس الحاجات الإنسانية المرتكزة على بنية تحتية مهترئة وبنية فوقية متأخرة. المساحات السكانية تضيق، يرتفع سعرها وتتدنى نوعيتها. يحصل هذا في أكثر المدن تطورا حتى في الدول الصناعية. أما التلوث الذي يخلق مشاكل صحية فتتجاهله بعض حكومات الدول النامية، علما أنه مسبب للأمراض وحتى للفيضانات والزلازل المدمرة. في كل المدن معالجة النفايات تبقى مهمة ونشهد في لبنان على عجزنا عن إدارة هذا الملف، علما بأن دولا أكبر منا بكثير كالصين والهند والولايات المتحدة والبرازيل وجدت حلولا مناسبة وإن تكن غير فضلى. في لبنان تتراكم المشاكل ولا محاسبة. في بعض الدول الصناعية، تتوسع المدن بالرغم من تردي الخدمات الإنسانية والاجتماعية. هنالك نقل لبعض الأحياء الفقيرة إلى أحزمة البؤس وبناء أحياء جديدة للميسورين. هذا لا يحل المشكلة إنما ينقلها بعيدا عن الأعين أي أعين الميسورين والمسؤولين. هكذا تقسم المدن عادة إلى قسمين من نواحي المدارس والمستشفيات وكافة الخدمات، قسم للفقراء وآخر للأغنياء. هذا الواقع معروف ونشاهده وأحد أسبابه الأساسية رغبة المواطن في العيش في المدن حتى لو كانت النوعية متدنية. حكومات الدول النامية مذنبة ومقصرة إذ لم تؤهل الريف فيضطر المواطن للانتقال إلى المدن اعتقادا منه أن مستقبل الأولاد سيكون أفضل وأن فرص العمل ستتوافر أكثر. غالبا يسوء الظن. تتوسع المدن في الدول النامية بشكل عشوائي، الأجور أفضل للفقراء لكن تكلفة السكن تأكلها وبالتالي أوضاع الفقراء تسوء. لا نشهد في أكثرية المدن في الدول النامية تقدم اجتماعي للعمال والفقراء. تتردى الخدمات الصحية بسبب الثقل السكاني المتزايد وعدم استطاعة المدن تطوير الخدمات المتنوعة. المشاكل تسبق الإمكانات وبالتالي تسوء أوضاع المدن مع الزيادات السكانية. أما القطاع الخاص، فينهض على حساب عمالة فقيرة تريد العيش علما بأن الإنتاجية متدنية، فالأجر المنخفض لا يكون دائما مربحا للشركة. في أكثرية الدول، نشاهد انحيازا نحو المدن علما بأن ما ينفق على تطورها يبقى غير كاف لكن أفضل بكثير مما ينفق على القرى والريف. يدفع هذا الواقع السكان إلى النزوح إلى المدن، أي يعمق الفقر ويترك الريف متأخرا. اليوم وبسبب التكلفة المعيشية المتزايدة، نرى زراعة تنتعش داخل المدن ليس للبيع والتصدير وإنما للاكتفاء الذاتي. يستفاد من مساحات الأرض الصغيرة على السطوح وفي حدائق المنازل لإنتاج الزراعات المناسبة. هذا إحياء للزراعة ويؤشر إلى وعي شعبي كبير لأهمية الإنتاج الزراعي. أظهر زلزال 4 أغسطس في بيروت درجة اعتماد الاقتصاد اللبناني على حيوية العاصمة وقوتها. هذا واقع لكن في نفس الوقت يساهم في توعيتنا كمجتمع على ضرورة تطوير بقية المدن والريف لتنويع الاقتصاد وتشجيع اللبنانيين على البقاء فيها.