في حضرة صاحب السمو

سمعت الشيخ محمد النابلسي يروي قصة عن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول فيها: فقد كان عليه الصلاة والسلام على سفرٍ مع أصحابه، فأمَرَهم بِطهو شاة، فقال أحدهم: عليَّ ذبحُها، وقال آخر: عليَّ سلخُها، وقال ثالث: عليَّ طَبخُها، فقال الرسول - صلّى الله عليه وسلّم: «وَعَلَيَّ جمع الحطب»، فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال: عَلِمتُ أَنَّكُم تكفونني، ولكن أكره أَن أتَميَّز عليكم، فإنّ الله سبحانه وتعالى يكره من عبده أن يراه مُتَميِّزاً بين أَصحابه، ولما عدت إلى إسناده وجدته ضعيفا إلا أنني أودّ أن آخذ بالمعنى والذي أعجبني كثيراً فيما يتعلق بالتواضع كأداة قيادية وإدارية متفوقة في آن معاً. فلقد شاءت الأقدار السعيدة وتقاطعت الصدف الجميلة أن أتواجد في مكان ما حيث أنظر إلى احتفالية منظمة وهادئة من كبار الشخصيات والإعلاميين، حيث لفت نظري طفل صغير يلعب بين المقاعد في مقربة مني، فأمعنت الانتباه إليه مستمتعاً في متابعته بنظري وفجأة وبدون أي مقدمات وبكل هدوء وبدون أي مظاهر غير اعتيادية وعلى مقربة مني وإذا بأمير البلاد سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يمر من جانبي ويتوقف فينحني ويُقَبِّل ذلك الطفل ويمسح على رأسه ويتابع مسيرته بهدوء وثقة إلى مقدمة الحفل، هكذا وبكل بساطة وعفوية تامة، لم يصفها لي أحد ولم أرها على شاشات التلفاز وإنما اختبرتها وعايشتها بنفسي، كان ذلك في احتفالية بمناسبة مرور العام الواحد والعشرين على افتتاح قناة الجزيرة والتي أقدم فيها برنامجا، الأمر الذي سمح لي مصادفة بالتواجد في ذلك المكان والزمان. ولما أتاحت لي طبيعة عملي سابقاً التواجد في البيئة المخملية لعالم المال والأعمال وحضور بعض الاجتماعات الدولية، وغيرها من الأماكن التي ترصد فيها بروتوكولات التعامل والوفود وما يرافقها من إجراءات وتعقيدات، لدرجة أن مجرد فكرة البساطة أو التواضع تصبح غير واقعية وغير مقبولة وغير عملية بحكم متطلبات العصر وتغير البيئة، وتصبح قصص النبوة عن التواضع وسلوكيات عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن اللين مجرد حِكَم للقراءة والموعظة الحسنة، أما عندما تمر بها شخصياً وعلى تلك المقربة دون أن يكلمني أحد أو يدعوني إلى إفساح الطريق، فإن ذلك موقف كريم لابد من الوقوف عليه ملياً وتحليله. إن ذِكْرِي للحديث الذي ذكره الشيخ النابلسي في البداية كان بقصد الربط الموقفي على أساس القدوة وكرم الأخلاق، وأيضاً للإشارة المباشرة إلى أن السلوك القويم الكريم هو أداة قيادة وإدارة في آن معاً ومنهج حياة ودستور تعامل، ولما كانت الأخلاق غاية ومقصدا لدستور الإسلام، فلقد كان ذلك التواضع متمما لمكارم الأخلاق، التي ذكرها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).. وإلى أن نلتقي على خلق هذه تحية وإلى اللقاء.