السلع.. وإكسير الحياة

في عالم متغير ليس فيه من الحقائق العلمية الراسخة الا القليل، وفي كرة أرضية ثبات نواميسها الطبيعية يعتمد على توازن حركتها المستمرة الدائمة يوميا حول نفسها وسنويا حول الشمس، كان لا بد من التغير الدائم للبقاء، هو ما عودتنا عليه الطبيعة وهو نفسه ما رأيناه في تفاصيل حياتنا اليومية والمهنية، الجمود وعدم التأقلم مع عدم الاعتراف بما يحصل حولنا من متغيرات كان هو السبب الرئيسي لتوقف شركات كبرى كانت في يوم من الأيام هي من تصنع الأسواق وتحركها، فها هي شركات تصنيع الهواتف مثل الموتورولا " Motorola" وهي التي كانت وفي عام 2000 تسيطر على ما يفوق ال25% من الحصة السوقية باتت اليوم تعمل وتجاهد للبقاء ضمن أفضل خمس شركات مبيعا للهواتف الذكية بعدما تراجعت حصتها لما دون ال9%، اما شركة إل جي (LG) الكورية الجنوبية العملاقة والتي كانت في يوم من الأيام من الأوائل في مجال صناعة الهواتف الذكية فقد أعلنت أنها ستخرج من قطاع الهواتف الذكية كونه شديد التنافسية على ان يتم ذلك من خلال إغلاق كامل لوحدتها لترسم بذلك نهاية حقبة أعمال الشركة في هذا القطاع، وغيرها الكثير والكثير، فنحن ومنذ صغرنا تعلمنا أن نقول واصفين أحوالنا كبشر "ثبات الحال من المحال" وهو ما جعل أمثالنا الشعبية ومخزوننا الفكري والإنساني غالبا ما يحمل عبارات وزنها ذهب وقيمتها تتعدى الحروف والتي من أهمها "لو دامت لغيرك ما وصلت اليك" أو "الدهر يومان، يوم لك ويوم عليك"، حياة متبدلة ترسم الفصول الأربعة على وجوه الناس فيسقطون مع الخريف بعد زهو الشباب وقوة الربيع، أيام وأسواق تتبدل ومستهلكون تتغير أمزجتهم وشركات لا تدري ما الذي يدور حولها من مفاجآت، وهنا يأتي السؤال المهم، هل تملك السلع دورة حياة؟ وان كانت موجودة فما هي مراحلها وأشكالها؟ هل يمكن للشركات أن تعرف أن منتجاتها قد أصبحت في نهاية حياتها؟ وما الذي يمكن ان تقوم به الشركات في هذه الحالة؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان السلع هي كالناس لديها دورة حياتية وعمر افتراضي في الأسواق، ومن أهم مراحل حياة السلع هي مرحلة الإنتاج والتقديم للأسواق ثم مرحلة البيع والنمو والازدهار، يليها مرحلة استقرار المبيعات والثبات والنضوج لتأتي بعدها المرحلة الأخيرة قبل الخروج من الأسواق وهي مرحلة الانحدار والسقوط، نعم مراحل تشبه حياتنا التقليدية نحن بني البشر والتي تبدأ بولادة تهبنا الحياة لطفولة ننمو بها ونكبر ثم شباب نصل فيه الى الذروة ليأتي بعدها مرحلة من الكبر والشيخوخة تأخذنا الى ما هو حق على الجميع، وكما ان للكبر علامات تظهر لدينا نحن البشر فإن لوصول السلع الى نهاية دورتها السوقية أيضا العديد والعديد من العلامات التي تظهر بالأسواق ومن أهمها: انخفاض الطلب بشكل متسارع ومستمر على السلع، وجود منافسين جدد في الأسواق يقومون بتحقيق معدلات نمو متزايدة، وجود بدائل كثيرة من المنتجات وخاصة الجديدة منها والتي باتت هي من تحصد الاهتمام الأكثر والأكبر من قبل المستهلكين، وأخيرا خروج أو تغير نماذج أعمال كثيرة من الشركات التقليدية القديمة التي كانت تتنافس فيما بينها كونها تعمل أو تنتج نفس النوع من السلع أو الخدمات.  ومما هو جدير بالذكر هنا أن المنتج نفسه قد يملك أكثر من دورة حياة في العديد من الأسواق وهي التي تعتمد على ظروف ومعطيات كل سوق، فالسلعة التي قد تكون في مراحل الاستقرار والنضوج في سوق متقدم هي نفسها قد تكون الآن في مرحلة النمو والازدهار في سوق ناشئ بعيد مثلا، وهو ما يعني أن عوامل السوق وحالته بالإضافة لمميزات وصفات السلعة نفسها هي من تؤثر معا وبشكل مباشر في دورة حياة السلعة او عمرها الافتراضي، كذلك فإن عوامل أخرى مثل القوة الشرائية للمستهلكين ومدى توافر سلع مكملة او بديلة والمستوى العلمي والتكنولوجي للبائعين والمشترين قد يساهم وبشكل مختلف في تغيير نمط أو شكل هذه الدورة الحياتية ولنا في الهواتف المتنقلة وحربها مع الهواتف ذات الاسلاك خير دليل فكلاهما ما زال موجودا بل أنه في بعض الدول ما زال الهاتف التقليدي السلكي هو وسيلة الاتصال الأولى نظرا إما لعدم توافر تغطية كافية بها او لتكلفة استخدامها المرتفعة.  اما عن أهم ما يمكن ان تقوم به الشركات في حالة وصول منتجاتها للمستوى الأخير من حياتها فهو أولا بتطوير المنتجات وتغييرها بشكل مستمر وفعال وبما يتماشى مع رغبات المستهلكين وكذلك بالبحث عن أسواق جديدة لمنتجاتها بحيث تكون السلعة متواجدة في أكثر من سوق وبعمر افتراضي مختلف وهو ما يساعد الشركة بمواجهة أي تغيرات أو تحديات في أسواقها الأساسية، وهنا يجب معرفة أن وجود مراكز في كل شركة تقوم باستقصاء اراء وانطباعات وحتى ملاحظات المستهلكين بالإضافة للبحوث والتطوير الخاص بالمنتجات نفسها ومن ثم دراسة الأسواق وتوجهاتها وطرق البيع والتسويق المتاحة بالإضافة لمتابعة كل ما يقوم به المنافسون من أعمال قد يكون هو الحل السحري لهذه الحرب التجارية الضروس. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن العمل المستمر وعدم الظن بأن ما تقدمه أي شركة من منتجات او خدمات هو دائما الأفضل سيكون بمثابة الباب السري نحو دهاليز التقدم والاستمرار فكما نحن البشر تتغير خلايانا بشكل دائم حتى ان البعض يقول ان جسم الانسان بالكامل يتغير كل عشر سنوات تقريبا، فإنه يجب على السلع أن تغير من شكلها ومواصفاتها وحتى أسعارها مع الحفاظ على روحها واستخدامها الأساسي، وهنا أستذكر مقولة  المثل البلغاري الذي يقول "يستطيع الذئب تغيير جلده لا تغيير طبعه".