اقتصاد.. قوس قزح

الحياة لوحة جميلة ترسمها الأيام وتلونها الشهور لتعرضها السنوات لاحقا في معارض العمر المنقضي، فالدنيا بشكل عام عالم واسع تُميزه الألوان، فها هو فصل الربيع يزهو باللون الأخضر وها هو فصل الشتاء تكسوه الثلوج البيضاء أما فصل الخريف فأوراق أشجاره الصفراء تغطي الشوارع الواسعة ليبقى فصل الصيف وحيدا يزهو بصور البحر الأزرق الجميل، وها هي المناطق الجغرافية، بل وحتى الدول والقارات تتخذ من الألوان رموزا لها فتستخدمها في خرائطها وكذلك في أعلامها وإعلامها. وبما أن الاقتصاد جزء من حياة الناس، فكان لا بد من أن يكون له ألوان تُميِّز جميع أجزائه وتفاصيله، فهل للاقتصاد ألوان؟ وما هي هذه الألوان وماذا يعني كل منها؟ بداية وقبل كل شيء فإن الإجابة وبشكل مباشر نعم للاقتصاد ألوان، فالعلم الحديث صَنَّف الاقتصاد لعدة ألوان وأعطى لكل لون دلالاته ونشاطاته، أما أهم هذه التصنيفات فهي ما يلي: الاقتصاد الأخضر: وهو مجموعة النشاطات الاقتصادية والتي تحافظ وتُراعي الشروط والعوامل البيئية وبالتالي فهي تُحسِّن نوعية حياة الإنسان على المدى الطويل دون تعريض الأجيال القادمة لأي أخطار بيئية وقد سُمي بالاقتصاد الأخضر نسبة للغابات والحقول والتي تعتبر رمزا للبيئة النظيفة الآمنة. الاقتصاد الأزرق: وهو الاقتصاد الذي يشمل أنشطة تعمل على استخدام الثروة المائية ومواردها المتنوعة من حيوانات أو مياه أو أي موارد أخرى لتحقيق مكاسب اقتصادية مع الأخذ بعين الاعتبار تحقق شرط حماية هذه الموارد والمحافظة عليها، وقد سُمي الأزرق نسبة للبحار والمحيطات ومن أهم أمثلتها صيد الأسماك. الاقتصاد الأحمر: وهو الاقتصاد الذي تُسيطر عليه الحكومات المركزية سواء كان ذلك بطريقة منفردة أو تشاركية وهو بذلك أقرب للاقتصاد الشيوعي حيث تُعتبر الدولة هي أساس الدورة الاقتصادية، وقد سُمي بالاقتصاد الأحمر نسبة للون الذي يُعتبر رمزا للنظام الشيوعي والذي يقوم على الفكرة السابقة. الاقتصاد الرمادي: وهو يشمل جميع الأنشطة الاقتصادية المسموحة قانونيا ولكن الغير مسجلة أو مُثبتة رسميا والتي يقوم بها أشخاص أو جهات معينة دون علم الدولة بها، ومن أهم أمثلتها أعمال السمسرة والعمولات الغير رسمية أو أعمال التجارة التي يقوم بها بعض الأشخاص من دولة إلى أخرى بشكل فردي ودون ترخيص تجاري، وقد سُمي بالرمادي نظرا لعدم وضوحه فهو وبالرغم من قانونيته إلا أنه لا يدخل في سجلات الدولة الحكومية ولا يُسجل ضمن نشاطاتها الرسمية. الاقتصاد البني: وهو يشمل جميع الأنشطة الاقتصادية ذات الآثار السلبية على البيئة والتي تؤذي بشكل مباشر أيا من التربة أو الماء أو الهواء ومن أهم أمثلتها أعمال التنقيب عن الفحم الحجري وبعض الصناعات الأخرى ذات المخلفات البيئية الضارة، ومما هو جدير بالذكر أن هذا الاقتصاد هو النقيض المباشر للاقتصاد الأخضر وقد سُمي بهذا الاسم نسبة إلى التربة والرمال أو للبيئة الغير منتجة وهو منتشر في الدول التي لا يوجد بها عمليات رقابة بيئية. الاقتصاد الأسود: وهو يشمل جميع الأنشطة والأعمال الغير رسمية والتي تتم بعيدا عن أعين الدولة والتي تساهم بشكل واضح في تدمير وإيذاء المجتمع والناس، ويتميز هذا الاقتصاد بأن معظم نشاطاته هي نشاطات ممنوعة وغير مشروعة مثل تجارة العملة والمخدرات أو عمليات التهريب والرشوة وقد سُمي بهذا الاسم لأنه يحدث بالخفاء بعيدا عن الأعين والأضواء. الاقتصاد الأبيض: وهو مصطلح جديد يُطلق على جميع النشاطات ذات العلاقة بكل من قطاع التكنولوجيا الحديثة أو قطاع الاتصالات وهو الاقتصاد الأكثر انتشارا بالفترة الأخيرة وهو يرتبط بشكل مباشر بالتقدم العلمي وبانتشار الشبكات الرقمية والتكنولوجية ومن أهم أمثلته أعمال التجارة الإلكترونية والتعليم الإلكتروني وغيرها من النشاطات. الاقتصاد الأصفر: وهو يقوم على فكرة استغلال الشمس ومواردها المتنوعة في الاقتصاد ومن أهم نشاطاته استخدامات الطاقة الشمسية، وقد سٌمي بهذا الاسم نسبة للون الشمس. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإنه وبالرغم من أهمية كل من الاقتصاديات السابقة سواء كانت إيجابية أو سلبية إلا أنها جميعها ستبقى، بل وحتى ستتطور مع الأيام لتأخذ أشكالا مختلفة وبالتالي فإن سأل أحدهم ما هو الاقتصاد الذي سيبقى في الأيام القادمة؟ فإنني سوف أجيب بلا شك إنه اقتصاد قوس قزح وهو مزيج الألوان السابقة جميعها، وهنا أتذكر المقولة والمثل الشهير: «التناغم الظاهر للعالم لا يقوم إلا على اتحاد الأضداد».