قام الرئيس الصيني شي جينغ بينغ بجولة أوروبية مؤخرا قادته لكل من إيطاليا، فرنسا وموناكو. تكللت هذه الزيارة بشراء الصين لـ 300 طائرة إيرباص قيمتها ما يفوق 2 مليار يورو، كما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل لعقد لقاء جماعي مع الرئيس الصيني بغرض تبيان الحذر من العلاقات الثنائية مع بكين وأن التعامل معها سيتم عبر بوابة الاتحاد الأوروبي.
وتعتبر الصين أهم مستثمر في أوروبا فقد ضخت خلال السنة الماضية فقط في فرنسا ملياري دولار منها استثمارات في قطاع السياحة، الطاقة والعقارات. كما أن للصين طموح تكنولوجي كبير عبر شركة هواوي التي تتصدر الجيل الخامس من الاتصالات وتطمح ولوج البوابة الأوروبية التي قد تشكل منفذا هاما في مواجهة الحرب التجارية المفروضة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي هذا الصدد، يبدو توقيت الزيارة مهما للغاية في ظل حالة أوروبية صعبة مع مظاهرات السترات الصفراء في فرنسا، البريكست، دعوات الانفصال المتكررة من روما ومع سعي صيني كبير يتجلى في مشروع طريق الحرير الذي تفوق تكلفته 1200 مليار دولار. كما تبدو الصين بديلا اقتصاديا مهما للاتحاد الأوروبي عن الولايات المتحدة الأمريكية فالوفرة المالية التي تنعم بها الصين واستراتيجياتها الاستثمارية المنفتحة تقوي نفوذها وتواجدها في القارة الأوروبية.
لا شك أن التعاون الاقتصادي مع الصين يساعد الجانب الأوروبي على تجاوز محنته المالية، لكن لا يمكن إنجاح هذا التعاون دون وجود مشروع ورؤية اقتصادية أوروبية لا تهتم فقط بالحلول المستعجلة، ولكن بمستقبل الاتحاد في قضايا الأمن الاقتصادي، المناخ واقتصاد المعرفة، مما يؤهل هذا التعاون إلى مستوى رابح-رابح، كما يتطلب الأمر التفاوض مع الصين فيما يخص التبادل التجاري وسياسة العملة المتبعة حتى لا يختل التعاون وعدم التغريد خارج السرب من طرف دول الاتحاد الأوروبي، فإعلاء المصالح الأوروبية أمر مهم للغاية وتفضيله يشكل ضمانة حقيقية حتى لا يفرغ الاتحاد من محتواه، فعندما تقرر إيطاليا الاشتراك في مشروع طريق الحرير وتلغي مشاركتها في مشروع القطار السريع الذي كان سيربط بين مدينة ليون الفرنسية وتورينو الإيطالية هو ضرب لمصالح الاتحاد.
وختاما، تمر أوروبا بمرحلة مفصلية تختلط فيها الأوراق ولا يعرف فيها الشريك من المنافس من العدو، وبذلك لا بد من تقوية الجبهة الداخلية وجرد مقومات النجاح الأوروبية للبحث عن سبل للتعاون الاقتصادي وخلق تحالفات مبنية على شراكات مشتركة، تعاون علمي والاستفادة من الآخر، كالاستفادة من ديموغرافية السوق الصينية الغنيةـ المتنوعة والاستهلاكية.