في كل شهر ومع كل موعد لاجتماعات الفيدرالي الأمريكي يتابع المستثمرون ويشخصون بأبصارهم بانتظار ما سيصدر عن هذه الاجتماعات من قرارات وتقارير قد تُغيِّر قراراتهم الاستثمارية وتُعدِّل من اتجاهات سير تدفقات محافظهم المالية، رفع الفوائد أو تخفيضها، مستقبل الاقتصاد ونظراته المستقبلية وغيرها من الإعلانات والأرقام جميعها كفيلة بأن تقلِب جميع الأوراق رأسا على عقب وتُحوِّل السوق من اتجاهه الهابط الى دورته الصاعدة والعكس صحيح، اجتماعات دورية وخبراء متمرسون يناقشون ويتبادلون الآراء لتصدر عنهم وفي النهاية مذكرات وتوصيات مُهِمة ينتقل صداها من دولة الى أخرى لتنتشر كالنار في الهشيم بين البنوك المركزية التي تنقسم بدورها بين مُوالٍ ومعارض أو بين مؤيِّدٍ ورافض، وفي النهاية وبغضّ النظر عن ردود الفعل المُختلفة الا أن هذه القرارات وعلى رأسها قرار تغيير مستويات الفوائد على الدولار وبالرغم من كونها ومن حيث المبدأ قرارات مُلزمة للبنوك والهيئات المالية العاملة في الولايات المتحدة الامريكية فقط ولكنها وبنفس الوقت قرارات مصيرية لا تعترف بحدود جغرافية فهي ومن حيث أنها مُرتبطة بالدولار فإنها تجوب العالم معه وهو العملة الأشهر والأكثر انتشارا، بل وهو الطائر الذي لم يترك ركنا لم يزره ولا زاوية لم ينم بين أوراقها المالية. بمُجرّد ان ينتهي الاجتماع ويصدُر القرار الخاص بالفوائد تبدأ معظم الدول والبنوك المركزية بمراجعة نسب الفائدة في بنوكها المحلية سواء أكان ذلك على عُملتها الوطنية أو العملات الأجنبية، وبالتالي فإنها غالبا ما تقوم باتخاذ ما هو لازم من القرارات بهذا الشأن، هنا وفي الأيام التالية لأي تغيُّر غالبا ما يشهد المستثمرون تحركات قوية في أسواق المال فهي سواء في أذهاننا أو على أرض الواقع ولِسبب ما ترتبط بشكل مباشر وبصورة عكسية مع هذا التغير حيث أن البورصات عودتنا أن تنخفض وتتجه هبوطا اذا تم رفع الفوائد وأن ترتفع وتتحول للصعود إذا تم خفضُها، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هو سر تلك العلاقة بين الفوائد وأسواق المال؟ وكيف يؤثر تغير سعر الفائدة على أداء الشركات والمؤسسات في أي دولة أو سوق مالي؟ بداية وبشكل عام وبسيط فانه يُمكننا تعريف سعر الفائدة ومن وجهة نظر المصارف على أنه ذلك السعر الذي يدفعه البنك أو المصرف للمودعين مقابل إيداعاتهم المالية لديه، أما على مستوى الأشخاص فإن سعر الفائدة هو ما سيحصل عليه من عائد على رأسمال المودع لدى البنوك جرّاء تنازله عن التصرف بأمواله التي يُقرِضُها لذلك البنك لفترة زمنية معينة وهو بنفس الوقت قيمة ما سيدفعه من أموال إضافية للبنك اذا قام باقتراض مبلغ مالي منه، وبعيدا عن التفاصيل فقد أثبتت الدراسات والتجارب أن معدل الفائدة البنكي هو أحد أهم المؤثرات في الاقتصاد وفي أداء الشركات المالي ويعود ذلك الى عدة عوامل من أهمها ما يلي: تغيير سعر الفائدة يؤثر بشكل مباشر على قيمة الفوائد التي ستدفعها الشركات كخدمة لديونها (في حال كونها مُقترِضة) وهو ما يظهر بشكل واضح في حساب الارباح والخسائر على شكل فوائد مصرفية وبالتالي فإنه يؤثر مباشرة على قيمة أرباح أي من هذه الشركات. كذلك فإن ارتفاع الفوائد على الايداعات يجعل من البنوك ملاذ آمن ومُربح لأصحاب رؤوس الأموال، فهي أفضل للمستثمرين كونها أقل خطورة وتقلبا من أسواق المال ولكن عادة ما يُعِيبُها هو انخفاض قيمة أرباحها السنوية مُقارنة مع أسواق المال وهو الامر الذي قد يتغير اذا ما تم رفع سعر الفوائد البنكية بشكل كبير، الأمر الذي قد يؤدي وفي حال استمراره لفترة من الوقت الى انتقال كبير لرؤوس الأموال من الأسواق المالية الى تلك البنوك والمصارف وذلك من تطبيق مبدأ "عند تقارب الأرباح فإنه يُفضّل الابتعاد عن المخاطر" والجميع ما زال يذكر ثمانينات القرن الماضي حين وصلت أسعار الفائدة السنوية الى حوالي 20% في الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما وضع معظم الشركات في ذلك الوقت تحت ضغط كبير لتحقيق وتوزيع أرباح أعلى من الفوائد البنكية وذلك للمحافظة على ميِّزاتها الاستثمارية مقابل الايداعات البنكية خاصة عندما بدأ الناس بالاتجاه للإيداعات والسندات طويلة الاجل. وهنا يجب ألا ننسى أن رفع الفوائد على الدولار يساعد في رفع قيمته وهو ما يؤدي الى تحسُّن قيمته الشرائية ويؤدي في نهاية المطاف الى انخفاض قيمة السلع والمنتجات وهو الأمر الذي ينطبق على جميع السلع بما في ذلك الأسهم وهي احدى السلع المالية أو الاستثمارية والتي قد تتأثر أيضا بتطبيق نفس المبدأ. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من أهمية تغيير أسعار الفائدة لمواجهة التضخم وارتفاع الأسعار الا أنه يجب التنويه أنه وإن كان الحل الأسرع والأكثر سهولة إلا أنه ليس الحل الوحيد، ولذلك فإن مجموعة القوانين والتشريعات وكذلك حِزم الإجراءات التي يجب أخذها على جميع الأصعدة قد تلعب دورا لا يقل أهمية عن دور رفع الفوائد وإن كانت أثارها تحتاج وقتا أطول لكي تظهر، فرفع الفوائد لا يُطِل غالبا بذلك الوجه الشاحب دون أن يصطحِب معه صديقيه المُقربين وهما: الركود وانخفاض أسواق المال وهو الأمر الذي يثير حفيظة المستثمرين ويجعلهم اكثر حِدّة في ردود أفعالهم، وهو نفسه الأمر الذي يجعل من القرارات و الإجراءات الأخرى المُصاحبة لقرارات رفع الفوائد أكثر أهمية في تحديد وِجهة ومصير الاقتصاد للدول، وهو ما يُثقِل كهل المُستثمر لأخذ قرار مصيري سريع لتحديد وجهته الاستثمارية أو حتى الادخارية القادمة بهدف المحافظة على أمواله كحد أدنى، وهنا أتذكر مقولة الإعلامية الشهيرة" أوبرا وينفري " حين قالت " يرغب الجميع بركوب الليموزين معك، لكنك تحتاج الى شخص يقود الحافلة حين تتعطل الليموزين".