شروط الازدهار تغيرت

تتوسع الشعبوية عالميا بسبب الظروف الاقتصادية والصحية الصعبة التي نشأت مع الكورونا وثم سلاسل الامدادات واليوم تتعمق مع الحرب الأوكرانية التي أشعلت التضخم. الخاسر من التطورات الأخيرة هي الليبيرالية المبنية على المنافسة والحيوية والحوار والتي كانت جميعها حتى قبل سنوات قليلة ركيزة العلاقات الدولية السليمة. اذا لم يعد العالم الى اعتماد الليبيرالية المنظمة سيتوسع التعصب وتنتشر العنصرية أكثر مما يدخل العالم في أوضاع أصعب. أعلن الغرب خطأ ومنذ زمن أن الليبيرالية انتصرت وان المعركة مع الانكفاء حسمت. لذا لم تبذل القيادات الغربية الجهد الكافي والطبيعي لمعالجة مشاكل المواطنين ومعاناتهم. ازدادت نقمة الشعوب على حكامهم وبالتالي انتخبوا قيادات متطرفة في اليمين أو اليسار أو أقله أعطوا تلك القيادات أرقاما مرتفعة كما حصل مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية. كان هذا جرس انذار للرئيس الفرنسي كي يعدل سياساته التي تعب منها الفرنسيون ويحاول ارضاءهم عبر قرارات اجتماعية وبيئية. ما جرى في فرنسا، جرى سابقا في دول غربية وسيجري لاحقا في دول أخرى. الليبيرالية والليبيراليون استفادوا من سوء اداء الشعبويين في السياسة والشارع وبالتالي الخسارة الحالية ربما تكون فقط مؤقتة. ما جرى يعطي فقط فرصة سماح لتصحيح السياسات المرفوضة. لا يمكن تحميل روسيا كل مشاكل العالم ولا مشاكل الغرب تحديدا كما يحاول بعض القادة العالميين قوله وتبريره. في الواقع قبل الحرب الروسية على أوكرانيا، كان يمكن وصف الأوضاع الغربية سياسيا بأن الولايات المتحدة تخسر كثيرا من قوتها، بينما تزداد قوة الصين في آسيا وعالميا. قوة الغرب الديموغرافية في انحدار منذ زمن، وهذا انعكس على المعايير الاجتماعية والانسانية. كانت المجتمعات الغربية تعاني اجتماعيا وصحيا من مجموعة أمور سلبية كاستهلاك الممنوعات ونسب الانتحار والكآبة المرتفعة والديموغرافية السلبية. لذا تحتاج المجتمعات الغربية الى العناية الاجتماعية المتطورة كي تعيش بسلام. في الاقتصاد لم تكن النتائج مزدهرة، بل كان الغرب يعاني كثيرا من ضعف النمو وارتفاع البطالة وزيادة الفقر وعدم النجاح في تعميم التنمية. في 2020، انحدر اقتصاد مجموعة الدول الصناعية 4,5% منها انحدار 3,4% في الولايات المتحدة وسقوط 6,3% في الوحدة الأوروبية. كان التذمر الشعبي كبيرا وواضحا مما انعكس انتخابيا على الواقع واجتماعيا في الشوارع. لم ينته الصراع بعد بين الليبيرالية والشعبوية بانتظار الوصول الى نظام جديد مستقر. لم تعد الأحزاب السياسية القديمة ترضي الشباب، والوقائع الانتخابية دلت على ذلك. أحزاب قديمة تزول وأخرى تظهر على أنقاضها بأفكار جديدة أو متجددة. الظروف تغيرت والتقنيات تبدلت وتطورت ولم تعد ترضي الأجيال الحالية. هنالك مطالب جديدة من قبل العمال والعاطلين عن العمل كما المواطنين العاديين الذين يعانون من تكلفة المعيشة والتعليم والصحة. أصبحت الحياة اليوم أصعب وأكلف على المواطن العادي بالرغم من التكنولوجيات الحديثة المتوافرة. فالأنظمة الكلاسيكية ربما لم تعد كافية في ظل التشنجات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية العالمية. نحتاج الى أفكار وأنظمة جديدة.