الأموال الخليجية جزء من الاقتصاد الأمريكي يصعب التنازل عنها في عام 2003 وافقت ليبيا على دفع مبلغ وقيمته 2.7 مليار دولار كتعويضات لأقارب ضحايا لوكربي، بعد أن أعلنت مسؤوليتها عن الحادث الذي وقع عام 1988 لطائرة أمريكية فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية، ووافقت على دفع ما يصل إلى عشرة ملايين دولار لكل أسرة من أسر الضحايا. يومها كنت في أمريكا لحضور دورة متخصصة في صندوق النقد الدولي، وقد دار نقاش حول الموضوع ذاته بين المشاركين في الدورة التي كانت تضم مسؤولين في القطاع العام من دول عدة. وفي سياق النقاش علَّقَ أحدهم بالقول إن لدى العرب أموالا هائلة إلا أن تلك الأموال لا تترجم إلى أصول ومصانع ومؤسسات إنتاجية كما هو الحال في الدول الأخرى، بينما علَّقَ آخر وهو أمريكي الجنسية بالقول إن تلك الموارد المالية الهائلة بدلا من أن تكون القوة المحركة للاقتصاد العربي وتدعم المشاريع التنموية وسياسات تنويع مصادر الدخل، أصبحت القوة المحركة والداعمة للنشاط الاقتصادي لدول أخرى وخاصة الاقتصاد الأمريكي. وجدت نفسي عاجزاً عن الرد وإقناعهم بحكمة الاستثمار في الاقتصاد الأمريكي بهذا الحجم من المبالغ. ففي الوقت الذي نسعى فيه إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية لدعم الاقتصاد وسياسة تنويع مصادر الدخل من خلال الاستثمار في مشاريع البنية التحتية وإبرام الاتفاقيات الاستثمارية مع الدول والتكتلات الأخرى ووضع رؤية اقتصادية بعيدة المدى، وعلى الرغم من الارتفاع المستمر في العجوزات المالية التي وصلت إلى 159 مليار دولار وارتفاع نسبة الدين العام الخليجي من الناتج المحلي لتتجاوز 35%، نجد أن ودائع واستثمارات الصناديق السيادية الخليجية تتدفق إلى الدول الغربية بشكل تصاعدي. والسؤال الأهم الذي طرحه أحد المشاركين وهو باكستاني الجنسية الذي قال: ألا تخشون أن تضع أمريكا يدها على هذا الأموال وتقوم بتجميدها في سياق الحرب المحمومة على «الإرهاب»، خاصة أن الأموال الخليجية قد أصبحت جزءا من الاقتصاد الأمريكي وتمثل ثقلاً مالياً ما يجعل من المستحيل أن تتنازل عنها أو تساعد في عودتها؟. كنت أعتقد أنهم لا يفهمون عمق العلاقة التاريخية الإستراتيجية بين دول الخليج وأمريكا، التي حرص رؤساؤها على الإعلان دوما بأن دول الخليج العربي خط أحمر وأنهم حلفاء إستراتيجيون وأي اعتداء على أي من هذه الدول هو اعتداء على أمريكا. فمن أخطأ وتعدى الخط الأحمر سحق بالنار ولم يعد لنظامه أثر في الوجود. إن تلك العلاقة المدعومة بعدة اتفاقيات أمنية واقتصادية ساهمت بشكل كبير في تعزيز الأمن والاستقرار في دول الخليج. كان الاعتقاد السائد هو أن أمريكا التي أتت بجيشها وضحت بجنودها لتحرير الكويت سوف تبقى حليفا مخلصا في كل الظروف، ولا يمكن أن تغدر وتضع يدها على تلك الأموال والأصول الخليجية، ولذلك كان الرأي السائد هو لا خوف على مستقبل الأموال الخليجية في الخزانة الأمريكية. الآن وبعد إقرار الكونجرس الأمريكي قانون «العدالة بحق رعاة الإرهاب»- «جاستا» وأصبحت الأموال السعودية والخليجية فريسة للحليف والصديق الأمريكي وأصبح أهالي ضحايا أحداث 11 سبتمبر 2001 يتهافتون عليها للحصول على حصتهم، أصبح الجميع يتساءل: ما الذي حدث حقاً؟ وكيف حدث؟ هل تحققت نبوءة الباكستاني؟ هل تغيرت أمريكا أم نحن الذين لم نتغير؟.