صانع السوق.. يشتري ويبيع

أدوات كثيرة وطرق متعددة تلك التي تستخدم لتنشيط الأسواق المالية، فمن بيع وشراء الهامش الى اقتراض الأسهم الى غيرها وغيرها الكثير والكثير، وهذه الأسباب وبالرغم من أهميتها، إلا أن تنوعها ووجودها في الأسواق قد لا يكون بالسهولة المفروضة، بورصة قطر وبعملها الدائم وسعيها المستمر لتطوير السوق والتداولات تفاجئنا دائما بإعلانات لأدوات وطرق جديدة سيتم تطبيقها في هذه السوق، حيث سمعنا جميعا وقرأنا منذ أيام الإعلان المهم الذي أطلقت بموجبه البورصة رسميا صانعا جديدا للسوق عبر إعلانها عن "بدء إحدى شركات الوساطة في العمل بنشاط صانع السوق لجميع الأسهم المصرح بها"، إعلان وبرغم أهميته الكبيرة، إلا أن كثيرا منا لم يعرف بالتحديد ما الذي سيتغير في السوق وتداولاته وهو ما طرح السؤال المهم، ما هو صانع السوق وكيف يعمل؟ وما هو الهدف من وجوده، وبالتالي ما هو دوره بالتحديد؟ من الناحية العامة، فإن التعريف المنتشر لصانع السوق هو أنه عبارة عن النشاط الذي يعتمد بصفة رئيسة على وجود جهة مرخصة بحسب الأنظمة والقوانين تهدف إلى التعامل بالأوراق المالية المدرجة بسوق الأوراق المالية، وبالتالي العمل بشكل مستمر على توفير طلبات متنوعة لشراء وبيع تلك الأوراق بهدف تحقيق حالة التوازن السعري من خلال زيادة سيولة التداول، هذا ويتم تنظيم نشاط صانع السوق من خلال عدد من الأنظمة والقوانين والشروط والمعايير الخاصة بكل سوق مالي، والتي تم إقرارها من قبل الجهة المسؤولة عن ذلك، أي انه وباختصار عبارة عن مؤسسة مالية متخصصة ومرخص لها، تقوم بدور مهم لتسهيل عملية التداول على الاسهم، وذلك بهدف تنظيم وتنشيط التداول في السوق أي أنها تقوم بأنشطة متعددة لضمان وجود كمية كافية من السيولة في السوق، وذلك من خلال ضمان وجود حجم تداول كافٍ بحيث يمكن إجراء معظم التداولات دون أي مشكلة. أما بالحديث عن آلية عمل هذا الصانع فهي غالبا ما تكون باتخاذ الجانب الآخر من الصفقات؛ فإذا كان المستثمرون يبيعون مثلا، فهنا فيجب على صانع السوق الاستمرار في الشراء والعكس صحيح في حالة البيع، وهو ما يجعل هذا الصانع بحاجة تامة وأساسية للاحتفاظ بسيولة كبيرة وأيضا وبنفس الوقت بعدد كبير من الأسهم أو الأوراق المالية المختلفة وهو ما يعطيه القدرة على العرض أو الطلب بأي وقت، وبالتالي يُمكّنه من تعديل أوامر السوق في سرعة كبيرة وبأسعار تنافسية سواء كان ذلك في حالة البيع أو الشراء وهو ما يساعد في ضبط الأسواق والأسعار في حالة وجود أي عمليات مضاربة أو أخبار وظروف غير طبيعية. ولتوضيح هذا التعريف بطريقة عملية، فإنه يمكن قراءة المثال التالي: فلنفترض انه وبعد مرور فترة معينة من التداول لم يتم تنفيذ أي كمية على سهم معين، وذلك نظرا لوجود فجوة سعرية بين الطلب والعرض مثلا فلنفترض أن سعر الطلب هو 10 وأن سعر العرض هو 10.5، هنا يأتي دور صانع السوق للعمل عبر استخدام السيولة التي يملكها بوضع طلبات للشراء بأسعار 10.1 و10.2 مثلا، وكذلك وبنفس الوقت يقوم أيضا باستخدام مخزونه من هذا السهم، وذلك من خلال عرض بعض الأسهم للبيع بسعر 10.4 و 10.3 وهو ما يٌقلّص من الفجوة السعرية بين كل من الطلب والعرض لتصبح أسهل وأقرب للتداول، وهو ما يُشجع المتداولين على البيع أو الشراء في هذا السهم، كما انه ومن الناحية النظرية فإنه يجب على الصانع أن يقوم بالمواءمة ما بين أحجام طلبات الشراء والبيع للأوراق المالية، بحيث يتدخل أحيانا كمشترٍ في حال ارتفاع مستويات المعروض من الأوراق المالية وكبائع في حال ارتفاع مستويات الطلب، خاصة ان تم ذلك دون وجود أسباب جوهرية أو أساسية مٌعلنة، على أن يتم ذلك ضمن شروط وأسعار وكميات عادة ما تكون ضمن بنود الاتفاق مع الجهة المُشرفة على هذا الموضوع. وبالانتقال للحديث عن أهمية دور صانع السوق فإنه يمكن تلخيصه بأن دوره الرئيسي هو ضمان تحقيق حالة من التوازن بين العرض والطلب وبالتالي تقليل الفجوة السعرية وهو ما يٌشجِّع المتداولين على التداول وبالتالي يساعد على وصول السوق لمعدلات سيولة، الأمر الذي يقلل من التقلبات السعرية ويضمن المزيد من الاستقرار على المدي المتوسط والبعيد. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي، فإن وجود صانع للسوق هو أمر مهم وأساسي لحماية المتداولين وصغار المستثمرين من التقلبات الحادة، بل هو أيضا شرط أساسي في كثير من الأسواق المتقدمة لزيادة عنصر الأمان ولفتح شهية المتداولين على الدخول والخروج في جميع الأوقات، وهو وبالظاهر، وإن بدا وكأنه ضد عملية المضاربة، إلا أنني أكاد أجزم انه وعلى المدى المتوسط والطويل سيكون لوجود صانع في أي من سوق الأسهم الأثر الكبير في جذب نوع آخر من المضاربين الذين يدركون طرق عمله ويضاربون على آلية تنفيذ هذا الصانع لأوامره فيربحون أحيانا ويخسرون أحيانا أخرى، وهنا أتذكر المثل الإنجليزي الشهير "من طمع في الفوز بكل شيء خسر كل شيء".