الاقتصاد السلوكي.. والنفس البشرية

الانسان كائن حي يعمل ويفكر، يتفاعل مع بيئته المحيطة فيأخذ منها ويضيف اليها الكثير وبالتالي فالعديد من تصرفاته وافكاره وحتى اختراعاته قد تكون نتاجا للتغيرات والمؤثرات العامة التي يمر بها في حياته، وهو الامر الذي يجعل لكل منا بصمة مختلفة وشخصية مميزة وبالتالي ردود أفعال ورغبات وحتى هوايات وأذواق متنوعة، وهو ما يُفسر لاحقا الاختلافات الإنسانية على مستوى التصرفات العامة والشخصية فمنا من يحب اللون الأبيض ومنا من يعشق الأزرق ومنا من لا يرى من الألوان الا الأسود فهو برأيه سيد الألوان، انها صفة التمايز والاختلاف وهي ليست فقط طبيعة بشرية بل هي طبيعة للكائنات الحية جميعها وهي بالإضافة لنعمة العقل والايمان قد تكون أساس بناء المجتمعات والحضارات حتى وان لم نشعر بذلك، وهي أيضا ما تُفسِّر لنا سؤالا لطالما فكّرت فيه، وهو لماذا يرى الناس الأمور بعيون مختلفة وهم ذوو بنية جسدية مُوحّدة؟ ولماذا يرغب كل شخص بشراء سلع تختلف عن الآخر أو ليسوا جميعا بشرا يبنون قراراتهم الشرائية على نفس النظريات المالية والاقتصادية؟ او ليست فكرة المنفعة الحدية والتكلفة الكلية هي نظرية ثابتة تنطبق على جميع المستهلكين؟ وان كان كذلك فلماذا نرى بعض السلع تتصدر المبيعات في بلد وتبُور في بلد آخر فلا تجد من يسأل عنها حتى؟ ولماذا خيارات صديقي الأمريكي في الشراء تختلف عن خياراتي بالرغم من أننا نعيش في نفس البلد ونعمل بنفس المكان؟ وأخيرا السؤال المهم لماذا تختلف القرارات الشرائية والاستثمارية فيما بيننا مع العلم ان فكرة المنفعة والتكلفة هي نفسها لِكِلينا؟ وان كانت كذلك فلماذا يختار بعض المشترين قرارات قد تكون من وجهة نظر الاقتصاد او الناس غير عقلانية بينما القرارات الأفضل هي واضحة أمامهم في ظل نظرية المنفعة الكلية؟ او ليس هناك من ثوابت في هذا الاقتصاد ام انه علم الاحتمالات؟ من الناحية العامة ولفهم أسباب هذه التغيرات فانه من المهم معرفة ان فكرة الاقتصاد التقليدي تقوم على افتراض أن جميع الناس التي ترغب بالشراء دائما ما تعمل على تعظيم منفعتها الذاتية، وبالتالي فهم يختارون دائماً البديل الذي يصب في مصلحتهم بعد ان يفكروا بعناية في فوائده وتكاليفه وهو الامر الذي اثبت مع الأيام انه غير قابل للتحقيق بشكل دائم، وبالتالي فإنه كان السبب الأساسي لظهور نظريات جديدة تعتمد على ما يُسمى "الاقتصاد السلوكي" وهو من المجالات الحديثة في علم الاقتصاد التي تمزُج الحالة والرؤية النفسية مع النظريات الاقتصادية، إذ يقوم هذا العلم بدراسة كيفية صنع القرارات وخاصة غير العقلانية منها وذلك بهدف فهم أسباب اتخاذ الناس القرارات المختلفة والمتباينة فيما بينهم بل وأكثر من ذلك وفي بعض الأحيان اتخاذ القرارات التي تعمل ضد مصالحهم الذاتية أحيانا، مُعتبراً أن الناس لا يتصرفون وفقاً لمصالحهم الخاصة فقط بل ان السلوك البشري يتأثر أيضا بالتحيزات العاطفية والمعرفية والتجارب الاجتماعية والنفسية التي مرّ بها، وهو دليل الفهم الأول عن سبب اتخاذ اي شخص القرار الأول مثلا بدلاً من القرارات الاخرى، ومن وجهة نظر هذا العلم فان بعض القرارات التي يتخذها الناس قد تكون بغرض تحقيق السعادة او اشباع رغبات شخصية حتى وان كانت على حساب مصلحتهم الذاتية وهو ما يُفسر سبب شراء بعض الناس للمواد الضارة او الممنوعة أحيانا، فالاقتصاد السلوكي بالنسبة لرواد هذا العلم يقوم على تسليط الضوء على دور العوامل الشخصية والنفسية من احداث ومعتقدات وأعراف اجتماعية وإنسانية ودينية وغيرها الكثير في بناء التصرفات السلوكية التي تؤثر بشكل مباشر في عمليات صنع القرار الاقتصادي والاستثماري وحتى الشرائي للأشخاص وهو ما يختلف عن نماذج الاقتصاد التقليدية التي تفترض دائما وكما ذكرنا بأن المستهلك هو شخص رشيد وبالتالي فإن صنع القرار لديه هو نتيجة لسلوك عقلاني بحت يعتمد بشكل خاص على المقارنة بين التكاليف والأرباح وبالتالي فإنه يتوافق مع أهداف طويلة المدى والتي تبدأ بفكرة تعظيم المنفعة التي سيحصل هو عليها. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبرغم الاختلاف الكبير والتمايز بين البشر الا انني اعتبر ان هذه الاختلافات هي نعمة كبيرة يتمتع بها الانسان والكائنات الحية جميعها فهي سِمة من سِمات الحياة، فلولا اختلاف الاذواق لبارت السلع، ولولا التمايز البشري لقتل الناس بعضهم بعضا وهم يبحثون عن ما يُحبون ويرغبون به، بل ولكانت الاختراعات الحديثة كلها تملك نفس الشكل والحجم وحتى اللون، نعم انها ميزة وهبنا إياها الله لنعمل ونتفاعل ونُغيِّر مجتمعاتنا نحو الأفضل بالعلم والحُجة والسلوك والقدوة الحسنة، وهبنا إياها الله لنكون مثلا وقدوة صالحة يُحبُنا الناس فيعملون بعملنا ويتأثرون بقراراتنا وخياراتنا المختلفة، نعم إنها الحياة بكل أشكالها وتشعباتها، وهنا أتذكر كتاب " سبنسر جونسون" الكاتب الأمريكي وكتابه الشهير "من الذي حرّك قطعة الجبن الخاصة بي" حين تحدث عن ردود الفعل المختلفة لخسارة مورد الرزق الأساسي، والتي كانت برأيه تتباين بين من يقف مكانه مذهولا وغير مُصدّق لما حدث ليعيش بعدها دور الضحية ويخسر كل شيء وبين من يواجه الحقيقة ويُدرك حجم الخطر الذي يحيط به ويبدأ منذ اللحظة الأولى في البحث عن مورد جديد للرزق رغبة منه باستمرار الحياة، وكذلك استذكر جملته الشهيرة في نفس الكتاب حين قال " ان تكرار نفس السلوك يذهب بك فقط الى نفس النتائج".