هل هناك مرحلة يصل فيها الإنسان إلى أن ترفض نفسه الشر بكل معانيه ومكوناته وأن تحب فطرته كل أشكال الخير، والعمل الصالح، اعتقاداً وتصديقاً مطلقا؟، هل يمكن أن نكون بشرا وملائكة في آن معاً؟ وهنا جاء النص القرآني في سورة الحجرات بقوله تعالى: «وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ» (7) صدق الله العظيم. وبالاطلاع على مفهوم الرشد بأكثر من زاوية دلت جميعا أن الرشد هو مرحلة متقدمة من الصواب وجلاء الصورة وسعة البصيرة، وأن الراشدين الحق هم من أحبوا الخير حباً، لا خوفاً ولا طمعاً وهم أيضا الذين كرهوا الشر كرهاً لا خوفاً ولا طمعا، وأنا لا أسأل أحدا، بل أكتفي بسؤال نفسي عن الرشد وأين أنا منه وأين نحن منه. وبالنظر الموضوعي ودون محاباة للنفس أجد أنني ما زلت على الطريق ولَم أصل، ولكن من المهم أن نكون حقاً مدركين أين نحن من رشدنا أولا وبعدها أن نصدق على عيوبنا ولا ننكرها لأن النكران هو أعظم العيوب، فلا أجد في بشر عيباً أعظم من أن ينكر عيوبه، ويحضرني هنا قول المتنبي: ولم أرَ في عيوب الناس شيا كنقص القادرين عن التمام. أما عن الكمال فإننا يحدونا الأمل بأن نكون على الطريق الذي يوصل إلى سواء الطريق وعليَّ هنا أن أذكر ما جاء من رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، فعن النبي ﷺ قال: يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير». إن المفارقة كبيرة بين ما بدأنا به المقال عن الرشد وبين من في قلبه ذرة من خير، ولكن المقصد من الطرح هو أننا لن نكون ملائكة يوماً ولكن علينا ألا نكون شياطين، وذلك من خلال عدم نكراننا لقصورنا وعيوبنا لأن في ذلك تكبرا واضحا على مبدأ النقص الذي يعتري الإنسان المفطور على الخطأ والتوبة، والكبر هو أول خطيئة ارتُكِبَت بحق الله عندما تكبر إبليس ولَم يسجد لآدم، أبعدنا الله وإياكم عن الكبر، ويستحق الأمر وقفة مراجعة من حين إلى آخر لننظر في المرآة لأن هناك الكثير من الغبار الذي يشوه الصورة لابد من تنظيفه من حين لآخر، وإلى أن نلتقي على صفاء النفوس وطهارة القلوب وحب الخير هذه تحية وإلى اللقاء.