لماذا وجد اليورو؟

لا يمكن إدخال نقد بحجم اليورو الى الأسواق العالمية من دون قواعد وأسباب وسنوات طويلة من التحضير. يجب أن تكون هنالك رغبة من قبل الدول المهتمة بإنجاح مسيرة النقد. يجب أن تكون هنالك أسباب جوهرية تشكل حوافز للدول المشاركة لانجاح النقد. هل وجد اليورو فقط لمنافسة الدولار أم هنالك مصالح أوروبية اقتصادية ومالية وربما سياسية لادخال نقد مشترك وانجاحه؟ أحد مؤسسي أوروبا كان الرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي كان يعتقد بضرورة ايجاد اليورو لمنافسة الدولار. كان يخشى النفوذ الأميركي ويريد تقوية الداخل الأوروبي للوقوف السياسي والاقتصادي في وجه الولايات المتحدة. لذا بنى ديغول العلاقات الفرنسية الالمانية لحاجته الى المانيا في مواجهة أميركا. ديغول كان يعتقد في نفس الوقت أن الاقتصاد الألماني القوي وتركيزه على الصادرات للنمو سيضع دائما الفرنك الفرنسي في موقع صعب وضعيف. هنا تكمن ضرورة ايجاد نقد جديد يحل محل المارك والفرنك في مواجهة الدولار. لا ننكر وجود رغبة أميركية قديمة في تقوية التحالف الفرنسي الألماني لمواجهة الأمبراطورية السوفياتية السابقة وروسيا اليوم. بعد كل هذه العقود الطويلة من البناء الأوروبي، كيف يمكن تفسير النقمة الشعبية تجاه أوروبا وهذه الرغبة بالرجوع الى الوراء؟ كيف نفسر الرغبة في اعادة بناء الحدود التي ألغتها اتفاقية «شينغين»؟ كيف نفسر رغبة البعض بالغاء النقد المشترك والعودة الى العملات الوطنية كوجه من وجوه الاستقلال؟ كيف يمكن تفسير قرار البريطانيين بالخروج من الوحدة الأوروبية؟ وجدت الوحدة الأوروبية لتبنى على النموذج الأميركي الشمالي. كان الهدف بناء الوحدة الاقتصادية أولا وثم السياسية. تظهر الوقائع انه كان يجب السير سوية في الاتجاهين. الذي شكل اللاصق بين المجموعات الأميركية هي الديموقراطية أي انتخاب مجلسي شيوخ ونواب يلعبان دورا كبيرا في النظام الأميركي ومسؤولين تجاه المقترع الأميركي. ترتكز الدولة الأميركية على الرئاسة، لكن أيضا وربما أكثر على المجلسين التشريعيين كما تشير اليه الوقائع مع «ترامب». هذا مفقود في أوروبا التي تديرها مجموعة من الموظفين وربما التقنيين، مما يجعل المحاسبة غير موجودة. كما أن المؤسسات الأوروبية لم تتطور مع الوقت للتأقلم مع الحاجات والمستجدات. تبقى القوة السياسية الأساسية في أوروبا مع الدول المنفردة وليس مع المركز كما هو الحال في واشنطن. بناء أوروبا تجربة كبرى جمعت بين جنسيات وأعراق وهويات مختلفة. على عكس الاتحاد السوفياتي الذي خلق بالقوة دولة مشتركة من هويات مختلفة، كانت الفكرة ايجاد نموذج ديموقراطي تقرره الشعوب بحماسة ورغبة وحيوية وحرية أي الوحدة الأوروبية. لذا بنيت على مبدأ احترام حقوق الانسان وحريته مما يشكل الحافز الكبير للنمو والنهوض وحتى التنمية. لم تنجح الوحدة دائما في تحقيق الأهداف، إلا أنها أحرزت تقدما كبيرا. كان من المفروض أن يشكل خلق اليورو عاملا أساسيا لتقوية الانصهار الأوروبي، فكان أحيانا عاملا مسببا للتباعد بين الأوروبيين. لا يكمن الخطأ في الفكرة، انما في التنفيذ والتصحيح ممكن.