بريطانيا والاختيار الصعب

بدأت وسائل الإعلام البريطانية تكثيف حملاتها وبرامجها ومناقشاتها وحواراتها المختلفة حول استمرار بقاء أو خروج البلاد من عضوية الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الشعبي المزمع إجراؤه في الثالث والعشرين من هذا الشهر والذي مازال تغلب على نتائجه ظاهرة عدم اليقين، والتي يمكن لمتغير واحد جديد أن يحسم أمر هذا القرار الذي تتقارب فيه نتائج استطلاعات الرأي لدرجة كبيرة بين المؤيدين والرافضين ولن يحسمه سوى أصوات المترددين الذين لم يحددوا قرارهم النهائي بعد. فيما يحذر المؤيدون لبقاء بريطانيا بعضوية الاتحاد الأوروبي من أن الخروج سوف يتسبب في تراجع الأوضاع الاقتصادية وانهيار التجارة وضعف الاستثمارات وخاصة الأجنبية منها، بما سيدفع البلاد إلى هوة الركود وينهي مكانة بريطانيا كمركز مالي عالمي هام، ويدللون على وجهة نظرهم هذه بانخفاض قيمة عملتهم مؤخراً لمجرد الإعلان عن إجراء الاستفتاء واحتمالية التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. ويدلل البريطانيون المؤيدون لبقاء بلادهم داخل الاتحاد الأوروبي بتقرير صندوق النقد الدولي الصادر مؤخراً والذي يؤكد على أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سوف يؤدي إلى خفض معدل النمو الاقتصادي العالمي وهو الأمر الذي سينعكس سلباً على الاقتصاد البريطاني ويزيده ضعفاً، ويدللون كذلك بتصريحات رئيس وزرائهم «ديفيد كاميرون» بأن مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي ستزيد من معدلات الفقر والبطالة بالبلاد بأكثر من نصف مليون فرصة عمل خلال العام. وعلى الجانب الآخر يرى معارضو البقاء أن خروج بلادهم من عضوية الاتحاد الأوروبي سوف يحررها من القوانين والقواعد البيروقراطية للاتحاد، ويوفر للبلاد أموال دافعي الضرائب البريطانيين للدول الأوروبية الأعضاء بالاتحاد، ويصون البلاد كذلك من تدفقات الهجرة الوافدة وما يمكن أن تتضمنه من إرهاب محتمل، كما أنه ينقذ البلاد من قوانين الاتحاد الأوروبي التي لا تتفهم أو تقدر عمق الثقافة البريطانية. ويرى فريق ثالث من الخبراء أن هناك عدداً من القضايا الأساسية الهامة والتي يمكن أن تحدد نتيجة الاستفتاء، مازالت تحكمها درجة عالية من درجات عدم اليقين، وهو الأمر الذي يفسر «من وجهة نظرهم» عدم قدرة الكثير من المواطنين البريطانيين المترددين الذين يقدرون بأكثر من 25% من إجمالى المصوتين في التوصل إلى قرار محدد بشأن مسألة البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، مما يجعل أمر هذا البقاء أو الخروج بيد هؤلاء المترددين الذين لم يحسموا أمرهم بالإضافة إلى تطورات ومفاجآت اللحظات الأخيرة. وإنني أرى أن المصوتين البريطانيين سيحاولون تجنب الوقوع في براثن مرحلة عدم اليقين والتراجع الاقتصادي وما يرتبط به من اضطرابات في المدى القصير التي ستواجه بلادهم، وذلك بالموافقة والرهان على البقاء داخل الاتحاد الأوروبي «وإن كنت أتوقع الموافقة على البقاء بنسبة ضئيلة جداً عن نسبة الخروج».. ولكن ماذا يمكن أن يكون عليه الوضع إذا ما خابت ظنوني وقرر البريطانيون اختيار الخروج من عباءة الاتحاد الأوروبي، وما هي السيناريوهات المحتملة لهذا الخيار، هذا ما سوف نتناوله بالدراسة والتحليل في مقالنا القادم، إن شاء الله.