غابت فكرة المجالس النقدية عن السمع لسنوات لأنها نبعت من الاستعمار الغربي وما كان للاستقلال الا ليطيح بها. زيادة ثقة أو معرفة الدول المستقلة بإدارة الشؤون النقدية الوطنية ساهمت في الإطاحة. فلمَ يعود البعض اليها اليوم؟ وجد صندوق النقد الدولي أن متوسط مؤشر التضخم في الدول التي اعتمدت المجالس النقدية كان 4 نقاط أقل من التي اعتمدت فقط سعر الصرف الثابت. حجم تقلبات هذا المؤشر كان أقل بكثير في الدول المعتمدة للمجالس النقدية. يعود ذلك الى الحد من نسبة زيادة الكتلة النقدية. نمت الدول المعتمدة للمجالس النقدية بنسب أعلى من الدول التي اعتمدت فقط على سعر صرف ثابت. كما أن سياساتها المالية كانت أكثر اعتدالا واتزانا. من المساوىء الرئيسية لسياسة سعر الصرف الثابت مع مجالس نقدية أو بدونها هو عدم تأقلمه مع المتغيرات الاقتصادية الداخلية والعالمية، وبالتالي يصبح أحيانا غير واقعي يحدث خللا نقديا وماليا يتفاقم مع الوقت. فهل اعتماد المجالس النقدية كفيل بتحقيق الاستقرار النقدي أم يتحقق ذلك عبر مصارف مركزية مستقلة؟ استقلالية المصارف المركزية عن الدولة أو بالأحرى ضمن الدولة كفيلة بتأمين تنفيذ سياسة نقدية سليمة تنعكس ايجابا على سعر الصرف. كما باستطاعة هذه المؤسسة أن تدير سياسة سعر الصرف دون أن تثبته بالضرورة تجنبا لمساوىء السياسة. المصرف المركزي المستقل قانونا وممارسة يستطيع اعتماد السياسة النقدية التي يراها مفيدة. أما من ناحية الأزمة النقدية الآسيوية التي كانت وراء عودة المجالس النقدية الى الواجهة، فالجميع يعرف أن أساسها غير نقدي بل اجتماعي واقتصادي ومالي وإداري. الدول النامية ليست بحاجة الى مجلس نقدي بل الى إصلاحات حقيقية في كل جوانب الدولة والمؤسسات العامة والسياسات الاقتصادية. يجب اعتماد سياسات اقتصادية سليمة ومتجانسة، خصوصا سعر صرف واقعي تجاه الدولار، أو ترك الحرية لعمليات العرض والطلب ضمن هوامش مدروسة متحركة بانتظار اعتماد سياسة الصرف الحر. الدعم الاصطناعي للعملات لا يجدي على المدى المتوسط والبعيد. المطلوب أيضا اعتماد سياسة مالية محافظة تقلل من الهدر وتخفف من النفقات غير الضرورية. هنا يكمن الدور الرقابي الرئيسي لمؤسسات الاقراض الدولية. من الممكن تفعيل دور الأسواق المالية وخلق ادوات جديدة تناسب المستثمرين والمدخرين في اسعارها واستحقاقاتها ومردودها. فالسوق المالية المتكاملة هي التي توفر لكل القطاعات فرص التمويل بكلفة تتناسب مع إمكانية الربح في الأسواق التنافسية. اعتمد البناء الاقتصادي الآسيوي عموما على صناعات وقطاعات اختارتها الدولة لأسباب استراتيجية وسياسية. أعطتها كل الدعم الضروري ونجحت، لكن الأسواق الشفافة التنافسية تبقى الامتحان الحقيقي الصحيح لكل المؤسسات والشركات. للمجالس النقدية حسنات كبيرة في ظروف معينة، إلا أنها لن تكون الحل المناسب لأزمات متحركة حيث تكون المرونة مهمة. وجود مصارف مركزية مستقلة تعتمد سياسة صرف حر أو مراقب للعملة الوطنية، بالاضافة الى المعالجة الجدية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية يكفلان الى حد كبير عدم الوقوع في أزمات خطيرة.