الانتماء والتعاون، مبادئ إنسانية وقيم اجتماعية نسمع عنها الكثير من القصص والحكايات، ندرِسُها في مدارسنا ونُناقِشُها في منازلنا بل ونعقد المؤتمرات والندوات لمناقشتها والحديث عنها، موضوع مهم وركن أساسي في معظم فعاليات الدول، حلم انساني قديم رافق البشرية منذ الوجود الأزلي فكان آدم وكانت حواء، ولم يكن أي منهما وحيدا، ثم كان قابيل واخوه هابيل وكان الغراب الذي تعلمنا منه نحن البشر كيف ندفن موتانا، قصص قديمة تروى ولو بشكل غير مباشر حاجة الانسان الى الغير إما ليتعلم منه او لحاجته لمن يساعده ويُكمِل ما ينقصه لإنجاز اعمال تحتاج الى اكثر من شخص واكثر من جهد، فما ينقصنا لا يُكمِّلُه الا غيرنا، أما المجتمعات فهي تماما كما البشر لا تستطيع العيش فُرادى، فلكل مُجتمع وبرغم كثرة ما يملك من مُقومات وموارد ما ينقصه سواء أكان ذلك عنصرا ماديا أو بشريا أو حتى انتاجيا وتسويقيا وهو ما جعل المجتمعات ومنذ القِدم تبحث عن شراكات وتكتُلات تكون فيها طرفا فاعلا فتستفيد من ميزاتها وتساهم في حل مُشكلاتها، وهو ما تحوّل لاحقا للتكامل الاقتصادي، وهنا يأتي السؤال المُهم، فما هو التكامل الاقتصادي وما هي أنواعه؟ ولماذا تحتاجه الدول والمُجتمعات البشرية؟ أولا وقبل كل شيء فإن التكامل الاقتصادي من الناحية اللغوية عبارة عن كلمتين، الأولى هي التكامل وهي تعني سد النقص اللازم لإتمام عمل مُعين، والثانية هي الاقتصادي وهي عبارة عن مجموعة الأنشطة المالية والإدارية والتشغيلية الخاصة بالاستثمار والإنتاج والبيع والتسويق المرتبط باي من السلع والخدمات، وبالتالي وبجمع الكلمتين فإن التكامل الاقتصادي هو عبارة عن التعاون والتبادل لسد النقص والعجز في أي من الأنشطة المالية او التشغيلية الخاصة بإنتاج وبيع السلع والخدمات المختلفة، اما من الناحية الاقتصادية فيُمكننا تعريف التكامل الاقتصادي على انه عملية تهدف تدريجيا ومن خلال مجموعة من التشريعات والتدابير التنظيمية، إلى تحقيق التقارب والتعاون الاقتصادي بين بلدين أو أكثر، وأخيرا وبشكل بسيط وسهل فإن التكامل الاقتصادي ما هو الا عملية تتفق من خلالها دولتان أو أكثر على رفع مستوى التعاون والتبادل التجاري فيما بينها، على ان يتم ذلك عن طريق تقليل أو إزالة الحواجز التجارية والقانونية والمالية الخاصة بانتقال السلع والخدمات والأشخاص ورؤوس الاموال فيما بينها، على ان يتم ذلك بهدف تشجيعها على العمل والإنتاج وبالتالي الاستفادة من الميزات التنافسية للدول الأخرى، وهو يسمح لهم بالمضي قدمًا وتحقيق أهداف مشتركة عبر الدخول والعمل في أسواق ومناطق جديدة لتحقيق ما يُسمى بوفورات الحجم الكبير. وبالرغم من أهمية فكرة التكامل الاقتصادي الا ان كثيرا من الدول لم تستطع تطبيقها بشكل كامل وذلك نظرا للعراقيل والمعوقات التي غالبا ما تكون موجودة على مستوى الحكومات والمستثمرين أو على مستوى الموارد والمعطيات التجارية، وهو ما جعل فكرة التكامل تتّخِذ عِدّة أشكال، أهمها ما يلي: التبادل التجاري: وهو أضعف اشكال التكامل الاقتصادي فهو عبارة السماح بدخول وانتقال البضائع فيما بين الدول دون إعطاء أي ميزة او اعفاء لاي نوع من السلع والخدمات، وبالتالي فان المنتجات التي يتم مبادلتها تُعامل بناء لحاجة الأسواق وتقبُّلها لها. التجارة الحرة: حيث يتم تخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على السلع المستوردة بين الدول الأعضاء، وهو ما يُعطي لمنتجات هذه الدول ميزة المنافسة السعرية مقارنة مع منتجات أي من الدول خارج نطاق هذا الاتفاق ومن الأمثلة على ذلك اتفاقية التجارة الحرة لشمال الأطلسي (نافتا) بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. الاتحاد الجمركي: حيث تقوم الدول بإزالة الحواجز الجمركية فيما بينها بالإضافة لتحديد رسوم خارجية مشتركة (مُوحّدة) للبلدان غير الأعضاء، وبالتالي فانه وفي حال استيراد بضائع من أي دولة خارج الاتحاد الجُمركي إلى أي من هذه الدول فإنه يتم فرض نفس الرسوم الجمركية على البضائع وبغض النظر عن الدولة العضو التي يكون بها منفذ الدخول، ليتم لاحقا تقاسم هذه العائدات الجمركية بين الدول الأعضاء في الاتحاد ومن امثلة هذه الاتفاقيات هي الاتفاقية التي تمت سابقا بين تركيا والاتحاد الأوروبي. السوق المُشتركة: وهي حرية انتقال السلع والبضائع بالإضافة لرؤوس الأموال والأشخاص داخل البلدان الأعضاء في هذه السوق، وهو ما يُشجِّع المستثمرين على تنويع أماكن عملهم، وفي هذه الحالة يكون لكل سوق من أسواق هذه الدول لوائحه وقوانينه الخاصة مثل معايير المنتجات والبضائع المُمكِن بيعها ومن أمثلة هذا الشكل السوق الأوروبية المشتركة. الوحدة الاقتصادية: الاتحاد الاقتصادي أو السوق المُوحّدة حيث يتم موازنة السياسات النقدية والمالية لجميع الدول الأعضاء بالإضافة لإزالة التعريفات الجمركية وعوائق الحركة المالية والعُمّالية والاستثمارية بين الدول الأعضاء، ليتمكن العمال في أي بلد من التنقل والعمل في أي من الدول الأعضاء الأخرى، كما انه يُمكِن ان يتم استخدام عملة مشتركة بين هذه الدول كما هو الحال مع الاتحاد الأوروبي (اليورو). واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي التكامل الاقتصادي هو الشرط الأول والأهم للاستفادة القصوى والاستغلال الأمثل لجميع الموارد والمعطيات المُتاحة بين الدول، على ان يتم ذلك بهدف التطور والانتقال من مرحلة الاستيراد الى مرحلة الإنتاج والتصنيع وهنا أستذكر قصة " الرجل الذي جمع أولاده وأعطاهم حزمة كبيرة من الحطب وطلب من كل واحد منهم أن يكسرها بمفرده، فحاول كل واحد أن يكسرها لكنه لم يستطع، ثم أخذ الأب نفس الحزمة وبعثرها إلى عيدان وأعطى كل واحد من أولاده عودًا فكسره بسهولة، وهنا قال الأب لأولاده: إنكم يا أبنائي مثل هذه الحزمة إذا اتحدتم فلن يستطع أحد أن يغلبكم، وإن تفرقتم فسيصيبكم الضعف ويتمكن عدوكم منكم".