سيطرة الرأسمالية العالمية على مستقبل المجتمعات

  بدأ العالم منذ فترة يشهد تكتلات رأسمالية أصبحت مع نهاية الحرب الباردة شركات رأسمالية كبرى سيطرت على مقاليد كل شيء حتى السياسة، ويحدد تاريخ بداية عالم سيطرة الشركات على العالم منذ صعود (مارغريت تاتشر- رئيسة الوزراء البريطانية عام 1979م ) للسلطة .. تلك السيدة التي جاءت بنوع خاص من الرأسمالية مع رفيقها (رونالد ريغان- رئيس الولايات المتحدة في فترة الثمانينات من القرن الماضي ) بوضعه قوة غير عادية في أيدي الشركات حتى أصبحت هذه الشركات عملاقة وضخمة، وأصبح بعضها الآن أكبر من الدول القومية، حيث إن 300 شركة تمتلك نحو 30 % من موجودات العالم (أصوله). فتلك السيطرة تعرض الديمقراطية للخطر، وأن وضع الشركات الكبرى في الصدارة يعرض شرعية الدولة نفسها للخطر حين تتولى هذه الشركات – رغم أنها غير منتخبة – أدوار الحكومات. ويظهر الدور الذي أخذت الشركات الكبرى تضطلع به بدلاً من الدولة، من توفير ضروب من التكنولوجيا للمدارس إلى توفير الرعاية الصحية والاجتماعية للمجتمع، وما يستتبعه هذا من سيطرة تمارسها هذه الشركات على الجهات المستفيدة من هذه الخدمات.   حيث إن الشركات لا تعطي شيئاً مقابل لا شيء"فالمال يشترى الفعل والنفوذ "وهم بالتالي يتوقعون مقابل استثماراتهم نفوذاً في السلطات التشريعية والتنفيذية وحتى داخل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني. وهذا يعنى أن الرأسمالية انتصرت لكن غنائمها لم تصل إلى الجميع، وبالتالي فإن تحول إدارة الدول إلى نظام الشركات فيه إلغاء صامت للعقد الاجتماعي يقفز فيه السياسيون إلى قيادة الشركات بدلاً من قيادة مواطنيهم، ويتحدث الرئيس الأمريكي السابق رذر فورد عن نفس الفكرة قائلاً "إنها حكومة شركات، تديرها الشركات من أجل الشركات ". وهنا نطرح رؤية جديدة للمستقبل من خلال مبدأ (تسوق ولا تصوت)، حيث إن ضغط المواطنين بصفتهم مستهلكين هو النموذج الأكثر نجاحاً الآن، فالشركات الكبرى هي الأبواب التي يجب أن تطرق وليس الحكومات.. ببساطة: على الناس أن يعاقبوا الشركات التي تقوم بنشاطات معادية للمجتمع والبيئة وجعلها تدفع الثمن. إذاً فالسوق هو الميدان الجديد لفعالية الممانعة الجماهيرية وليس صندوق الانتخاب، فمثلاً : حصيلة رد الفعل الجماهيري في المملكة المتحدة إزاء أطعمة معدلة وراثياً قد حدث لا لأن رجال السياسة أرادوا ذلك ولكن لأن المستهلكين أرادوه وساعدتهم في ذلك وسائل الإعلام.‏ فإذا استمرت تلك الممارسات بالمعدل الذي رأيناه خلال السنوات الماضية، فإن ما سنشهده هو حلول الاحتجاج محل السياسة، ومعها اختفاء الديموقراطية نفسها، حتى عند تلك الدول التي تفاخر بأنها ديموقراطية، وإذا لم تستعد الدولة الشعب، فإن الشعب لن يستعيد الدولة، وإذا لم توزع منافع العولمة على نطاق أوسع فإن الشعوب ستظل تثور ضدها دائماً.