الاستثمار في الزراعة يحقق الوفرة الغذائية

تتسبب الجوائح والحروب ومناطق الصراع والمقاطعات الاقتصادية.. في ارتفاع أسعار السلع الغذائية وشحها، وارتفاع معاناة الفقراء وأصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة، ونمو نسبة الفقر، ويقع على الحكومات عبء مواجهة شح الأغذية وارتفاعها في الأسواق العالمية، بدعم السلع الأساسية وضخ المزيد منها في السوق المحلي من المخازن والصوامع الغذائية التي تمتلكها الدولة بغية سد النقص في الأزمات، ومراقبة ومعاقبة التجار الذين يستثمرون الأحداث في رفع الأسعار وتغليظ العقوبات عليهم. وعندما تعرضت دولة قطر قبل سنوات قليلة إلى الحصار الاقتصادي الجائر، كان همها الأساسي تأمين احتياجات الشعب القطري من السلع الغذائية وضمان وفرتها في الأسواق المحلية، وطمأنة المواطن إلى أن الحكومة تمتلك الأدوات والوسائل والخطط البديلة لتعويض النقص والاستعاضة عن الفاقد من جراء العقوبات بأسواق أخرى، وأنها - أي الحكومة - سوف تتحمل مسؤوليتها كاملة تجاه مجتمعها، بإعداد الخطط وتنفيذ الاستراتيجيات الضامنة لتحقيق الوفرة الغذائية، وقد حققت الدوحة نجاحات سريعة فاجأت الجميع، وكانت نموذجاً لدول المنطقة في مؤشر الأمن الغذائي الذي احتل "المرتبة الأولى على مستوى الدول العربية، والـ 24 عالميا، لعام 2021، وفقا للتقرير الصادر عن وحدة "إيكونوميست إنتليجنس" للأبحاث التابعة لمجلة الإيكونوميست البريطانية". وعلى مستوى الإنتاج المحلي، فقد "قفز حجم الإنتاج للخضراوات إلى قرابة 103 آلاف طن، بما يعادل 41% من الاكتفاء الذاتي، لتصل إلى 70% من الخضراوات المحلية بحلول 2023، حسب المتوقع، وحافظ حجم الإنتاج من الألبان ومنتجاتها على ذات مستويات 2020، إذ فاقت نسبتها 106% بحجم إنتاج تجاوز 230 ألف طن، وكذلك الدواجن الطازجة الذي بلغ إنتاجها العام الماضي 28 ألف طن ونسبة الاكتفاء 124%"، ولا يختلف حجم الإنتاج ونموه ووفرته للسلع الغذائية الأخرى. ومع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، والطفرات الكبيرة التي شهدتها أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، والإعلان عن إقرار سلسلة من العقوبات ضد روسيا، التي ردت بالمثل كذلك، وتدفق ملايين المهاجرين من مناطق الحرب إلى البلدان الأوروبية الأخرى، حذر الخبراء وتوقع المحللون بأن يشهد العالم ارتفاعاً حاداً وشحاً في السلع الغذائية، فسارعت العديد من الدول إلى وقف صادراتها من الغذاء إلى الخارج لحاجة أسواقها المحلية إليها، واتخذت العديد من الحكومات سلسلة من السياسات والإجراءات لضمان تدفق المواد الغذائية إلى السوق ودعم السلع ومراقبة التجار.. هذه الأحداث والمواقف والتحولات يجب قراءتها بعمق والاستفادة من دروسها في التوجه نحو الاستثمار في القطاع الزراعي، وتعزيز وإنجاح الجهود والسياسات الرامية إلى تحقيق الأمن الغذائي في بلداننا العربي، والتخلص من الاعتماد على الآخرين في تزويد أسواقنا بالسلع والمواد الغذائية، ولا عذر للتلكؤ والبطء بعد التقدم العلمي الذي شهده العالم في مجال التقنيات الزراعية.. ففي الصحراء الأسترالية الجنوبية - على سبيل المثال - تم استصلاح مزرعة "sundrop" بمساحة وقدرها ١٧ ألف طن لزراعة الطماطم، اعتمادا على أشعة الشمس ومياه البحر دون الحاجة إلى المياه العذبة والتربة أو أية مصادر طاقة أخرى، وبهذه التقنيات المتقدمة يمكن استزراع مساحات واسعة في صحاري الخليج التي تتمتع بالطاقة الشمسية ومياه البحار.