حماية الثقافة الوطنية

ثقافاتنا مكونة تاريخيا ومتأثرة عمليا بما يجري حولنا وما نستورده. أكثرية المناهج التعليمية المدرسية المعتمدة دوليا تنبع من المناهج الغربية أو الأمريكية وان تكن مترجمة. هذه المناهج توحد التفكير والممارسات والمعيشة. حتى الأوروبيين وخاصة الفرنسيين يعانون من تأثير هذا الاستيراد الطوعي للمناهج وبالتالي للثقافة الأجنبية. التأثير الثقافي لا يأتي فقط من المدارس والجامعات بل أيضا من الاستهلاك العادي أي الطعام والوجبات السريعة والمشروبات. لا ننسى تأثير الموسيقى القوي والمسرحيات المتنوعة، ومن منا لا يستمع الى أبرز المغنيين الأميريكيين والفنانين المبدعين. اللغة الانجليزية هي الوسيلة الأساسية للنقل الثقافي. المطلوب مع الاستيراد الثقافي المحافظة على الخصائص الوطنية وقد نجح الفرنسيون بها. ماذا فعل الفرنسيون تحديدا؟ 60% منهم يقولون أن العولمة هي أكبر خطر على طريقة العيش الفرنسية ونوعيتها؟ الأفلام والمسلسلات الأميركية تنطق بالفرنسية عبر الشاشات الوطنية. الكتب الأميركية حتى المتخصصة ترجمت، كذلك العديد من البرامج التكنولوجية الحديثة. هذا لا يلغي تأثير النقل الثقافي انما يحد من مساوئ استيراد الثقافة. لموسيقى الأميركية تسمع في كافة أرجاء فرنسا، لكن هنالك جهدا كبيرا للمحافظة على الموسيقى والغناء والآداب المحلية. القناة الثانية الفرنسية وهي ملك الدولة تقوم بالدفاع عن الثقافة الفرنسية واللغة وتنجح. لماذا تتطور مجتمعات بسرعة أكبر من غيرها؟ لماذا تنتج مجتمعات ابداعات واكتشافات بينما تنقل الأخرى فقط ما جرى خارجها؟ هل هنالك دور للقطاع العام يعزز مناخ الانتاج وظروفه أي في التمويل والقانون؟ الثقافات تؤثر على العمل والانتاج كما على الانتاجية. هنالك مبدعون في كل المجتمعات لكنهم يظهرون في بعضها ولا ينتجون في الأخرى. الأمور ليست مرتبطة فقط بالانسان وانما أيضا بالظروف الاقتصادية والسياسية كما الاجتماعية. هنالك مجتمعات تنوه بالأفكار الجديدة وتحترمها، مجتمعات تتقدم لأن ثقافتها تتطور عبر الأفكار الجديدة الخلاقة. هنالك مجتمعات تنوه بعمل المرأة ودورها ليس فقط في التربية وانما أيضا في أسواق العمل. مهما كانت السياسات العامة جيدة، فلا يمكن أن تعطي النتائج الفضلى في ظل ثقافات معقدة ومهترئة. هنالك مجتمعات تقبل بدور أكبر للأصول والجنسيات والأعراق المختلفة. المهم ليس الأصل، بل العمل والنتيجة في خدمة الوطن. شهد العالم مؤخرا احتجاجات كبيرة بينت على غياب المساواة بين المواطنين. حوادث فرنسا أي "السترات الصفراء" كانت مبنية على الخلافات العرقية والدينية كما المعيشية. حوادث أميركا مبنية على الفروقات العرقية وغيرها وتشير الى هشاشة السلم الأهلي. لا يمكن حل هذا النوع من الخلافات عبر الأمن فقط، بل يجب اعتماد السياسات الصحيحة وتنوير الثقافات الموروثة. هنالك مجتمعات تؤمن بأن الحقوق والواجبات متوازية ولا تعطي أفضليات للقوي والغني. للفقير والطبقات الوسطى حقوق وواجبات، ولا يمكن اعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية. في الواقع والحقيقة، للغني عموما حقوق أكثر وله القدرة للوصول الى غاياته بسرعة أكبر وهذا خطأ. العالم تقدم، لكنه بحاجة الى تطور ايضافي نوعي في حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية.