وداوها بالتي كانت هي الداء

بوادر أزمة اقتصادية تلوح في أفق الصحافة السعودية تتجلّى في عجز بعضها وتأخر البعض الآخر عن دفع أجور موظفيها، إضافة إلى مؤشرات أخرى تتمثل في إغلاق بعض المكاتب الفرعية، وتسريح بعض الموظفين، وهو ما يشي بوصول بعض شرر الأزمة التي تمر بها المنطقة إلى هذه المؤسسات الصحفية التي اتسمت تاريخياً –غالباً- باستقرار اقتصادي. بداية؛ يجب التنويه إلى أن الصحف المحلية ليست وحدها الضحية، لا من حيث تراجع طبعتها الورقية، ولا حتى الإلكترونية، فالصحف الورقية الأمريكية كانت قد شهدت هي الأخرى تراجعاً على مستوى الإيرادات والتوزيع عام 2015، فإيراداتها من الإعلانات سجلت انخفاضاً بنسبة 8% بين عامي 2014 و 2015. أما الصحف المحلية فيمكن القول إن أحد أسباب الأزمة التي تمر بها يتمثل في الوضع الإقتصادي الصعب الذي تشهده الشركات والمؤسسات في المقام الأول باعتبارها الداعم الرئيس للصحافة من بوابة الإعلانات، فقد قلصت موازنات الدعاية والإعلان. أما الاشتراكات فهي لا تمثل رقماً مهماً في إجمالي إيرادات الصحف مقارنة بالإعلانات. إضافة إلى ذلك فإن ترشيد الإنفاق الحكومي ألقى بظلاله على أرباح الصحف، إذ ألغت كثير من الوزارات والدوائر الحكومية اشتراكاتها في الصحف، كما قلّصت دعمها المتمثل في تسهيل الشحن والنقل للصحف بين مناطق المملكة مما أضاف عبئاً مالياً على الصحف. هناك أسباب أخرى للأزمة، من بينها تغوّل التطبيقات الإلكترونية، وتوجه المستخدمين نحو التقنيات الحديثة في الحصول على المعلومات والأخبار، خاصة مع تمدد برامج التواصل الإجتماعي التي اقتطعت حصة كبيرة من اهتمام المستخدمين، فهناك مزايا متعددة للصحافة والبرامج الإلكترونية لا تتوفر في المطبوعة، من بينها سرعة وصول الخبر والمعلومة، وتوفرها في أي مكان تقريباً طالما توفرت خدمة الإنترنت. ومن مزايا الصحافة الإلكترونية سرعة البحث وسهولة المقارنة أيضاً، وتوفر المتابعات الخبرية أولاً بأول دون الحاجة إلى انتظار هذه المتابعات في الطبعة الثانية التي قد تندثر قريباً، بل قد تتلاشى النسخة الورقية تماماً بناءً على توقعات المحلل العلمي في نيويورك تايمز مايكل روجر الذي يتوقع أن يكون العام القادم 2017 آخر العهد بالصحافة الورقية، أو عام 2043 على أقصى التقديرات وفقاً للباحث الألماني فيلب ماير.  المؤسسات الصحفية لا تعوّل كثيراً على مبيعاتها المباشرة للأفراد، وبالتالي فإن اتجاه القارئ ناحية الصحافة الإلكترونية ليس سبباً واضحاً في الأزمة، ولكن قد يكون عاملاً مهماً في التأثير سلباً على رغبة المعلن في النشر على الصفحات المطبوعة، واتجاهه للإعلان الإلكتروني الذي يتسم بانخفاض قيمته، وهنا يؤدي العامل النفسي دوراً مهماً ومزدوجاً في النتيجة، فهناك تباين واضح بين الإعلان الورقي والإلكتروني، إذ تشير الدراسات إلى أن المعلن يمتلك استعداداً نفسياً للإستثمار في الإعلان الورقي، هذا الإستعداد لا يتوفر بنفس المقدار للإعلان في الصحافة الإلكترونية رغم انخفاض تكلفته. الخلاصة: إن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها المنطقة والتي أثرت سلباً على إيرادات المؤسسات الصحفية وعلى مستقبل العاملين فيها ينبغي أن تعالج من خلال الاعتماد على الصحافة الإلكترونية فهي رغم كونها سبباً في الأزمة إلا أنها على الأقل تساهم في تقليص كثيراً من النفقات التشغيلية، وتدعم التوجه نحو الحفاظ على البيئة بتخفيض استهلاك الورق والأحبار والطاقة، كما تخفّض من إنفاق الشركات والمؤسسات على الدعاية والإعلان، ناهيك عن تمكين الصحفيين من الاستمرار في أداء دورهم الإعلامي.