لم يستفق اللبنانيون من موجة كورونا الثانية، ولم تلتقط بيروت أنفاسها من ماراثون التخبط و الفساد، حتى دوى صوت انفجار مرفأ بيروت ليعلن للجميع: نحن هنا، نحن هنا بأشلائنا و بقايا أحلامنا، نحن هنا بشهدائنا وانكساراتنا، صيحة واحدة كانت كافية للقضاء على ما تبقى من ألوان وورود في ذاكرتنا. توقف مرفأ بيروت عن العمل، وهو الذي منذ انتهاء أعمال تطويره في العام 1894 تعامل مع أكثر من 300 مرفأ وميناء، تغيرت مساحته الكاملة فلم يبق من الـ 1.2 مليون متر مربع ومن المسطح المائي ذي المليون متر مربع سوى أطنان من الهم والدمار. مرفأ بيروت هو الميناء البحري الرئيسي في لبنان، يقع في الجزء الشرقي من خليج سان جورج على ساحل بيروت شمال البحر الأبيض المتوسط وغرب نهر بيروت، موقعه المميز جعل منه مركز التقاء للقارات الثلاث: أوروبا، آسيا، وأفريقيا، وهو ما جعله ممرًا لعبور اساطيل السفن التجارية بين الشرق والغرب، وواحد من أفضل 10 مرافئ في البحر الأبيض المتوسط، ليحتل في العام 2019 المرتبة 73 بين 960 مرفأً حول العالم، والمرتبة التاسعة بين 61 مرفأ عربي وذلك على مؤشر الارتباط بـ «شبكة النقل البحري المنتظم للمرافئ»، وهو المؤشر الذي يصدر سنوياً عن منظمة «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية». يتكون الميناء من اربعة أحواض يتراوح عمقها بين 20 الى 24 مترا، بالإضافة الى ستة عشر رصيفا، والعديد من المستودعات والصوامع ساهمت جميعها بتحقيق الميناء ايرادات مالية وصلت الى حوالي الـ 313 مليون دولار في العام 2017 مقابل مصاريف تشغيلية قدرت بحوالي 128 مليون دولار وهو ما حقق صافي أرباح قاربت الـ 125 مليون دولار في نفس العام، أما المنطقة الحرة بالمرفأ فتبلغ مساحتها حوالي 81،000 متر مربع وهي من المناطق التي كان يجري العمل على توسعتها مؤخرا. تدير المرفأ شركة إدارة واستثمار مرفأ بيروت ليصل عدد السفن التي ترسو فيه الى ما يقارب 3،000 سفينة سنويا، تحمل ما يقارب المليون حاوية نمطية تفرغ حمولاتها من السلع والمواد والتي تقدر بحوالي ثمانية ملايين طن سنويا، منها ما يقارب المليون طن من المواد والمنتجات الخاصة بالشحن الخارجي. بالحديث عن دور المرفأ المالي والاقتصادي فبالإضافة الى أن المرفأ يعتبر الرئة التي توفر الأكسجين للاقتصاد اللبناني عبر تأمين ما يزيد عن 70% من حاجاته المستوردة، فهو أيضا مصدر مهم من مصادر الناتج المحلي اللبناني. و لتبسيط خسائر الانفجار فانه يمكن تقسيمها الى قسمين: الخسائر المباشرة: وفقًا للبيانات المالية المدققة للفترة المنتهية في 31 ديسمبر 2017، فقد بلغ إجمالي أصول الميناء حوالي مليار دولار أمريكي، علما بأنه وفي حالة إعادة تقييم الأصول الثابتة، فإن حجم الميزانية العمومية قد يتراوح بين 3 الى 4 مليار دولار أمريكي. كذلك فان خسارة المواد الاستراتيجية والأساسية والتي يتم تخزينها بالميناء قد تضع لبنان وجها لوجه أمام ازمة غذائية واقتصادية صعبة خاصة فيما يتعلق بالقمح والحبوب. أما بالحديث عن الخسائر غير المباشرة فبالإضافة الى تكلفة دمار المناطق المحيطة من منازل و طرق ومحال تجارية، فان تكلفة توقف الميناء عن العمل وبالتالي خسارة الايرادات التي كان من الممكن تحصيلها على مستوى الخزانة العامة للدولة، وكذلك خسارة الشركات التجارية الخاصة للسلع والبضائع والتي قد تضعها أمام ضغوطات تشغيلية كبيرة لتكون سببا رئيسيا لتخلفها عن سداد مستحقاتها المالية للبنوك والمقرضين، بالإضافة الى ما قد يواجه شركات التأمين من تحديات كبيرة، جميعها قد لا تكون اخر المشاكل والضغوطات المالية. أما التأثيرات السلبية على كل من التدفقات المالية و سعر صرف الليرة اللبنانية، وثقة المستثمرين والتجار فإنها قد تكون أكبر وأشد وطأة على المال والأعمال. وأخيرا وبرأيي الشخصي ولأن من يفقد ثقته بنفسه تتضاعف خسارته، فإن انفجار المرفأ وبالرغم من كونه كارثة انسانية واقتصادية بكل ما للكلمة من معنى، فإننا يجب أن نستذكر مقولة اليزابيث كوبلر روس «إن العظماء الذين عرفناهم في حياتنا هم أشخاص عرفوا الهزيمة، عرفوا المعاناة، عرفوا المصاعب، وعرفوا الخسارة، لكن في نفس الوقت عرفوا الطريقة التي يتعاملون فيها مع كل ذلك».