كتاب (الثورة الرابعة)، الذي يأخذ عنوانه الملحق أو المكمل كذلك صيغة سؤال (كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني؟)، معبرا عن مضمون الكتاب وغايات مؤلفه الذي سعى عبر أكثر من 270 صفحة إلى دراسة وبحث تأثيرات الثورة التكنولوجية أو تكنولوجيا المعلومات وثورة الاتصالات على هوياتنا وما قد فعلته وتصنعه بشخصياتنا من خلال اسقاط الكثير من النظريات الفلسفية والمشاهد والمواقف الحياتية اليومية على خارطة الجسد التكنولوجي ومفرداته ومفاهيمه عبر رصد مسيرة تطوراته الزمنية واستشراف ما سوف تحدثه من طفرات قادمة على الإنسان خاصة والحياة بشكل عام، بمعنى تأثيرات (الثورة الرابعة) ليس على السلوكيات والممارسات اليومية فقط، ولكن على صحة الجسد الذي تنقله تدريجيا إلى (صناديق بيضاء شفافة) قوامها هذا السيل المتدفق من المعلومات التي يعرضها البشر لا عن غيرهم ولكن عن ذواتهم الشخصية كذلك، بدلا من (الصناديق السوداء)، المعتمة عندما كانت لا تتجاوز المساحة التي يتبادل فيها الإنسان المعلومة محيطه الضيق الذي يعيش فيه، فيشارك اليوم مع ثورة المعلومات (الظروف الصحية مع الآخرين). وهناك ظاهرة التعليم الالكتروني عن بعد التي تقدمها شبكة المعلومات وأتاحت (مخزونا هائلا من المحتوى التعليمي لملايين الناس عبر العالم)، بل وقربتهم من بعض على شكل مجموعات يجمعها التخصص والميول والهدف المشترك والتفكير، فتأخذ هذه العلاقة الافتراضية شكلا من الفهم والعمق في التواصل وتبادل المعلومات والمعرفة، ليطرح المؤلف سؤالا مهما وحيويا مرتبطا بنوع التعليم الذي تتطلب المسئولية توجيه جيل الغد من (أمناء ومنتجي ومصممي المعلومات) إليه، وتأتي الإجابة لتؤكد على أنه التعليم الخاص بـ (اللغات التي يتم بها إيجاد المعلومات ومعالجتها، والوصول إليها، واستهلاكها)، فما هي هذه اللغات التي يقصدها المؤلف؟ إنها تلك التي سوف تكون يوما ما الوسيط الدولي للاتصال... وجميع تلك اللغات الطبيعية والاصطناعية التي تحتاج الأجيال الجديدة إلى أن تتقنها وتبرع فيها في مرحلة مبكرة من تنميتهم، من أجل أن يكونوا قادرين على الفهم الدقيق للمعلومات الممكن الوصول إليها، وقادرين على إيجاد وتصميم معلومات جديدة، وتشاركها مع الآخرين، إنها لغة العلم والمعرفة والحضارة والتقدم، لغة الأمم الحية التي تقدم للإنسانية كل يوم عشرات من براءة الاختراع والدراسات والمكتشفات والأجهزة والوسائل العلمية التي تخدم البشرية، هذه الحقيقة علينا أن نستوعبها لأنها تلخص حقيقة واقعنا العربي. يعد الكتاب الصادر عن عالم المعرفة في العدد (سبتمبر 2017م)، واحدا من أهم الإصدارات التي قدمها ويقدمها (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب) بدولة الكويت، فالكاتب وكما يتبين من واقع القراءة واسع الثقافة عميق الاطلاع على درجة عالية من الخبرة والذكاء، فهو أستاذ الفلسفة وأخلاقيات المعلومات في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، ورئيس تحرير مجلة الفلسفة والتكنولوجيا، وحاصل على العديد من الجوائز المتخصصة في المجال الذي يعمل فيه، وضمن كتابه مجموعة من الشرائح والرسومات والخرائط الهيكلية والمواقف والصور والنماذج المقتبسة من عشرات النصوص والقصص الأدبية والمقالات العلمية المتخصصة والروايات والأفلام العالمية وأقوال المشاهير حول العالم والمشاهدات اليومية للحياة... التي تسعى إلى تقريب الفهم إلى القارئ وشرح الكثير من المفاهيم والمصطلحات والمفردات الحديثة، وتعزيز آراء وخلاصات الكاتب وإجاباته التي يتوصل إليها، وتعميق الرسالة التي يحملها ممثلة في حجم التغيير الذي تحدثه هذه القوى على (جوهر عالمنا)، فهي وإن كانت تيسر حياة الإنسان وتحولت إلى واقع لا يمكن الانفكاك منه إلا أنها من جانب آخر تشكل واقعنا، فالكتاب غني بالمعلومات ليس فقط في موضوعه، إنه بحق مرجع موسوعي شامل. (يتبع).