أصبحت الزيادة في المعروض من السفن أداة تدمير للقطاع بأسره تعكس النتائج السلبية لشركات الشحن تنامي التحديات التي تواجهها هذه الصناعة، كنِتاج لما تمُر بهِ من ضغوط جرّاء وصول أسعار الشحن لمستويات شديدة الانخفاض، والتراجع الحاد في حجم التجارة العالمية. فمُنذ أسابيع مضت شهدنا توجه شركة الملاحة العربية المتحدة نحو الاندماج مع أكبر شركات الشحن الألمانية، بعد أن فقدت نصف سيولتها نتيجة خسارتها الرهان على مجموعة من السفن العملاقة الجديدة المزودة بخيار التحول لتقنية الوقود المزدوج، والتي كانت تطمح خلالها لتحقيق نمو كبير. واليوم نشهد انهيار سابع أكبر شركات الشحن البحري في العالم وهي شركة “هانجين” الكورية، التي تدير أسطولاً من 97 سفينة حاويات، 37 منها مملوكة بالكامل لها، وتنقل ما يقارب 3٪ من إجمالي الحاويات على الصعيد العالمي، والتي تراكمت خسائرها منذ العام 2011 لتبلغ 5.5 مليار دولار. وتوجهها للحماية القضائية من الدائنين، بعد فشل إعادة هيكلة ديونها وإيجاد التمويل الذي يضمن إستمراريتها، وما زاد وضعها سوءاً بيعها جزءًا كبيرًا من أسطولها بالعام 2008، وتوجهها لاستئجار السفن بأسعار حُددت عند مستويات تفوق أسعار اليوم بنسب تتراوح بين 30% و 50% بالإضافة إلى تكلفة “التحوط” الباهظة. وكونها من الشركات ذات التأثير المُضاعف على سلسلة التوريد العالمية، فإنهيار شركة بهذا الثقل سيؤثر على جميع الأطراف المعنية بالصناعة، من مؤجّرين للسفن، ووكلاء الشحن، ومقدمي الخدمات، وشركائها في تحالف “CKYHE”، والعاملين بها وكذلك مستويات النمو بالاقتصاد الكوري وشركات التأمين حيث أنها تفقد زبائن مهمين. وليست “هانجين” وحدها من يعاني من صعوبات، فقد أصبحت الزيادة في المعروض من السفن أداة تدمير للقطاع بأسره، فأثرها على شركات النقل البحري والخدمات البحرية والموانئ والأحواض الجافة كبير، وغدت تُمثل تحدٍ لمعظم الشركات، فالأمر ببساطة أن هناك الكثير من السفن وأسعار الشحن لاتزال الأدنى تاريخياً، كما أن من المعتاد أن يفوق معدل النمو في التجارة العالمية معدل النمو العالمي، ولكن للمرة الأولى منذ سنوات عدّة، يتراجع نمو التجارة ليصبح دون نمو الناتج المحلي الإجمالي، مما يعني استمرار تباطؤ النمو. إن صناعة الشحن البحري من الصناعات القائمة على كثافة رأس المال، وتعتمد أنشطتها اعتمادًا كبيرًا على نطاق السعة والأسعار المعقولة للشحن، فتاريخياً لم نر أي شركة شحن كبيرة تعود بعد انهيارها، كما أن انهيار “هينجين” لن يؤثر إطلاقاً على معالجة مشكلة السعة الفائضة في القطاع، فسفنها ستُباع أو تُؤجر لمستأجرين آخرين، وهو لن يخفف من المشكلة الأساسية المتمثلة في وجود فائض كبير من السفن وقلة البضائع لنقلها وانخفاض الطلب بشكل كبير. وهو ما نتج عن تطبيق الإستراتيجيات القديمة ذاتها بالسنوات الماضية والتي تُنتهج دائمًا، والمُتمثلة في أنه كلما زاد الحجم، اتسع نطاق السعة، ونما رأس المال، ونمت الإيرادات، عِوضاً عن الاستثمار في رفع الكفاءة الإنتاجية والتشغيلية من خلال التقنيات الحديثة، فاتساع نطاق السعات زاد من المعاناة الحالية، خاصة بالنسبة للشركات التي قامت ببناء المزيد والمزيد من السفن الضخمة، مدفوعة بتصورها أنها فعالة من حيث التكلفة عندما ارتفعت تكاليف الشحن في السنوات القليلة الماضية.