مباريات حالكة السواد..!

مرَّت كارثة الشغب الذي أعقب مباراة كروية في إندونيسيا على الأقلام والمايكروفونات مرور الكرام أمام أبواب اللئام. ولو كان لي استطاعة لذكرت أسماء من أهملوا التوعية بمخاطر التعصب ووضعتهم داخل طبعة جديدة من كتاب البخلاء للجاحظ.. * وكلا.. لست واقعاً تحت تأثير حالة انفعالية، لكن عدم التعاطي المناسب مع تفاصيل كارثة إنسانية في ملعب لأكثر الدول الإسلامية سكاناً هو أمر جدير بالتوقف.. * مباراة تنتهي بأحداث شغب وتسفر عن مقتل قرابة 200 قتيل إذا ما أخذنا في الاعتبار تداعيات الإصابات الخطيرة هو حدث كارثي، ليس من حيث عدد الضحايا وإنما لأن ذلك العدد من القتلى لم يكن بسبب (زلزال أو تسونامي) وإنما بسبب اقتحام الملعب من قبل مشجعين لم يعجبهم انتهاء المواجهة الكروية بهزيمة فريقهم المفضل أريما بريسبايا.. أمام منافسه سورابايا 3/2.. * ثلاثة آلاف مشجع يقومون باقتحام ملعب المباراة، ومهاجمة اللاعبين، ويعقب ذلك اشتباكات وتدخل شرطة مكافحة الشغب، وتتحول الملهاة إلى مأساة. * الكارثة نعم.. لم تكن الأولى على ملاعب كرة القدم من حيث عدد الضحايا حيث سبقها في الترتيب المأساة التاريخية الأكبر على الملعب الوطني في ليما عاصمة البيرو عندما ألغى الحكم هدفاً للأرجنتين فقامت القيامة ولقي 328 شخصا حتفهم وخضع 800 شخص لإجراءات طلب الشفاء. * ومن يهتم بأحداث الشغب الكروي كسلسلة كروية دامية سيجد أن وراء تلك المآسي، إما تعصُّب مقيت أو احتفال بشماريخ مشعلة للحرائق، وإمَّا باختناقات مسيلات الدموع، وتدافع المحتشدين، وانهيار المدرجات والجدران بالتقادم، أو فساد العمل أو بيع تذاكر مزورة تجعل الاحتشاد أكثر من قدرة المدرجات على الاحتمال.. * وأحيانا تكون الكارثة عجيبة الأسباب كما حدث في مباراة ضمن كأس أوروبا بين سبارتاك موسكو وهارلم الهولندي عام 1982 حيث تقدم الهولنديون بهدف، فما كان من المشجعين الروس إلا مغادرة الملعب، وأثناء مغادرتهم المدرجات سجل فريقهم التعادل فعادوا مسرعين ليكون التصادم قاتلا بين عائدين ومغادرين، ويومها أكد ناشطون أن عدد الضحايا أكثر بكثير من الرقم الذي أعلنته السلطات الروسية.. * وكثيراً ما يتعامل رجال مكافحة الشغب بفرط استخدام مسيلات الدموع دونما استيعاب لمخاطر استخدامها الكثيف في ملاعب مزدحمة ونصف مغلقة، وحينها فإن ملعب الأحداث يتحول إلى مقبرة جماعية لجماهير تنشد المتعة واللهو فيكون مصيرها الحتف..! * وهناك فرق بين أسباب انفعالية طارئة وأخطاء في تقدير الموقف وبين كارثة مصنوعة بتحريض سياسي انتقامي، حيث لا يمكن نسيان استغلال جماعة متطرفة في العراق لحفل رياضي والقيام بتفجير سيارة مفخخة وسط المحتفلين.. * وإذا كان التعصب هو أكثر أسباب فوضى الملاعب والمدرجات فإن المطلوب هو مضاعفة الإجراءات العقابية الرادعة للعنف اللفضي والجسدي اللذين يتحولان إلى كائن خرافي بلا عقل، ما يدعو للمزيد من الإجراءات التأديبية.. وإعادة النظر في بعض ملاعب كرة القدم المتقادمة أو التي لم تأخذ حقها من التقييم تماسكاً واتساعاً وبوابات خروج. * وتبقى عملية الارتقاء بالوعي وتشجيع أخلاق الملاعب أمراً ملزما للهيئات الرياضية والثقافية الإعلامية في مختلف دول العالم حتى لا يتحول الملعب من ساحة تنافس للبهجة إلى ثقب حالك الدموية.. حالك السَّواد..!