منذ أكثر من ثمانية أشهر وحكومة السلطنة تمضي قدما في إقرار وتنفيذ جملة من السياسات والإجراءات للسعي إلى تقليل الفجوة التي تتسع باستمرار بين الدخل والإنفاق، وعمقتها خلال السنوات القليلة الماضية تراجعات أسعار النفط في الأسواق العالمية وجائحة كورونا التي أنشبت مخالبها في الاقتصاد العالمي. فقد أصدر السلطان هيثم بن طارق، عدة مراسيم وأوامر وتوجيهات سلطانية لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، ودمج بعض المؤسسات الحكومية وإجراء تغييرات وتنقلات بين كبار المسؤولين وتخفيضات موازنات الوزارات والمؤسسات والشركات الحكومية بنسب متفاوتة، وإنشاء جهاز للاستثمار العماني، وإحالة عدد من الموظفين العمانيين إلى التقاعد ممن أكملوا 30 عاما وأعلى، وإنهاء عقود نسبة من الأجانب الذين يعملون في الحكومة، وإنشاء صندوق للأمان الوظيفي، وبناء نظام وطني متكامل للحماية الاجتماعية وخطة للتوازن المالي... إلخ، وقد بث التلفزيون العماني تقريرا توعويا حول حقيقة الوضع الاقتصادي للبلاد، بعد أن أدلى العديد من الكتاب والمدونين والنشطاء بملاحظات وآراء تراوحت بين التشاؤم والتفاؤل، والتخصص والاعتماد على أرقام ومؤشرات محلية وعالمية، أو اجتهادات عادية لا تستند إلى تحليلات وحقائق موثوقة، في الصحف ووسائل التواصل والتي كانت تنتشر بشكل سريع بين العمانيين تثير المزيد من اللبس والغموض والبلبلة. أشار التقرير إلى أن المورد الطبيعي المتمثل في الثروة النفطية لعب دورا أساسيا في تحقيق التنمية والتقدم والازدهار في الدول المنتجة له، وقد قادت تراجعات أسعاره الحادة في السوق العالمي منذ العام 2014 إلى «حالة اقتصادية صعبة ومعقدة للغاية»، أحدثت فجوة واسعة بين «الدخل والإنفاق»، وتناول تأثيرات جائحة «كوفيد 19» التي زادت «الطين بلة» و«أرهقت الاقتصاد» وساهمت من جديد في تراجع أسعار النفط أولا، وفي انخفاض الإنتاج ثانيا، تنفيذا لقرارات البلدان المنتجة، لإحداث التوازن في السوق، فانخفض الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 4 مليارات ريال عماني، وانخفاض الإيرادات الأخرى كذلك، ليصبح المجموع أكثر من 13 مليار ريال على المدى المتوسط. وأكد التقرير على جملة من الحقائق، من أهمها: ارتفاع قيمة العجز الجاري في 2014 من 1.1 مليار ريال عماني إلى 6'2 مليار في 2019. ليبلغ العجز التراكمي خلال الفترة من 2014 وحتى 2019 أكثر من 20 مليار ريال عماني. * ارتفاع الدين العام من 5'1 مليار عماني في 2014 إلى 8'17 مليار في 2019. مشكلة ما نسبته 61% من إجمالي الناتج المحلي. * انخفاض المركز المالي للسلطنة وفقا لتصنيف الصندوق الدولي، وانخفاض التصنيف الائتماني العالمي. وعرج التقرير إلى الإجراءات التي اتخذتها السلطنة للحد من تأثيرات تراجعات أسعار النفط وانعكاسات «كوفيد 19» وارتفاع الإنفاق وذلك في الآتي: * تخفيض موازنات الوحدات الحكومية بنسبة 10%. * تخفيض الإنفاق الإنمائي. * خفض الدعم المقدم للشركات الحكومية. * توسيع وعاء الضريبة الانتقائية. * تخصيص شركة نقل الكهرباء. التقرير تعامل مع الوضع الاقتصادي للسلطنة بشفافية عالية على غير العادة، تعبر عن الثقة في السياسات التي تقر وتنفذ أو التي من المتوقع أن تصدر في قادم الأيام، وتحمل رسالة بليغة تسعى إلى إشراك المجتمع في طرح الأفكار والآراء والمساهمة في إنجاح الإجراءات التي تتخذ برفع جرعات الوعي، والتهيئة للمرحلة القادمة التي يتوقع المحللون أن تشهد المزيد من السياسات لترشيد الإنفاق وتعزيز الموارد.