الاحتكار.. حق ممنوع أم استغلال مشروع؟

مع تقدم العلم تغير وجه العالم ليصبح التنقل والتواصل هما العملية الاسهل والاسرع في حلقات وسلاسل الامداد المختلفة، حيث بتنا نسمع ونكرر جملا كثيرة منها وعلى سبيل المثال: حرية البيع والتجارة هي حق للجميع، بل وبسبب هذا التقدم التكنولوجي الكبير الذي نمر به في هذه السنوات باتت فكرة الاحتكار وبرغم بساطتها من حيث المفهوم من اصعب الأفكار التي يمكن تطبيقها في الواقع العملي، فما ان يشعر المستهلك بشُح في أي من المنتجات حتى تراه يتجه الى هاتفه الخلوي لينشأ حسابا في برامج التسوق العالمية ويقوم بعدها وبكبسة زر واحدة بطلب ما يحتاجه من مواد من أسواق خارجية وغالبا بأرخص مما كان سيدفعه في السوق المحلي، هنا وبعد ان ادرك الكثير من التجار والمستثمرين ان العالم فعلا قد تحول الى قرية واحدة صغيرة، أصبحت فكرة الاحتكار لديهم هي مجرد حلم أو خيال من الماضي الذي قد لا يعود، وهنا يخطر السؤال الأهم: فما هو الاحتكار وما هي شروطه؟ وهل لا زال موجودا في وقتنا الحالي؟ وهل هو حق مشروع أم استغلال بشع؟ وما هي آثاره؟.  أولا وقبل أي شيء فكلمة احتكار هي العكس الصريح لكلمة منافسة، وبالتالي فإنه يمكن تعريف فكرة الاحتكار على أنها فكرة تقوم على مبدأ وجود طرف أو مورد واحد لسلعة أو خدمة معينة، أو بمعنى آخر فإن الاحتكار يعني غياب المنافسة وانعدامها من الأسواق ومن ثم السيطرة على هذه الاسواق وبسط الهيمنة عليها بحيث تصبح جهة واحدة هي المورد الأساسي والرئيسي لسلعة محددة وهو ما يعني تحكمها بأسعار وكميات وطرق بيع هذه المنتجات او السلع وبشكل مُبسط فإن الاحتكار هو وصف لحالة السوق حين تتحكم شركة واحدة أو مجموعة شركات مجتمعة في توريد منتج او سلعة معينة، وبشكل اكثر شمولية فإن الاحتكار هو حالة السوق التي لا يوجد فيها سوى بائع واحد لمنتج ما مع وجود حواجز أمام دخول الآخرين بحيث يكون المنتج ليس له بدائل قريبة، وهذا يعني أنه لا توجد شركات أخرى تنتج منتجًا مشابهًا وهو ما يؤدي الى سيطرة شركة او شركات مُحددة على الأسواق، هذا وقد عرَّف البروفيسور "دونالد ديوي" الاحتكار بأنه التحكم في بيع سلعة من قبل بائع واحد لا يخشى دخول شركات أخرى إلى سوقه. اما بالحديث عن شروط تحقق حالة الاحتكار فانه يمكن تلخيصها بثلاثة شروط أساسية، أولها ان يكون هناك مورد او بائع واحد لسلعة محددة وثانيها هو عدم توافر بدائل مشابه لهذه السلعة أما ثالثها فهو وجود حواجز صعبة وغير عملية لدخول شركات جديدة ضمن سلسلة توريد هذه السلع، وهذه الشروط الثلاثة ان اجتمعت فهي كفيلة بمنع حالة المنافسة وبالتالي الوصول لحالة الاحتكار في الأسواق وهو ما يُمكّن المحتكرين من التحكم في أسعار المنتجات أو السلع. هذا وبالرغم من ان فكرة الاحتكار هي فكرة موجودة منذ القِدم، الا أنه وبسبب انتشارها في بعض المجتمعات فقد أصبحت سبب رئيسي لكثير من السلبيات والمشكلات والتي من أهمها ما يلي: ارتفاع الأسعار حيث انه غالبا ما يقوم المُحتكر بمحاولة تعظيم أرباحه عن طريق رفع الأسعار للسلع التي يقوم ببيعها خاصة اذا كانت سلع ضرورية او لا يمكن الاستغناء عنها، كذلك فإن الاحتكار يفتح الباب امام سيطرة جهة واحدة على الأسواق وهو ما قد يُمثِّل خطر حقيقي من الناحية الاجتماعية في بعض الأحيان نظرا لتزايد نفوذ المُحتكرين، وأخيرا فإن حالة الاحتكار وانعدام المنافسة قد تؤدي في بعض الأحيان الى عدم الاهتمام برفع كفاءة المنتجات وتطويرها وهو ما قد يظهر لاحقا في تدني مستوى الجودة المُقدّمة للعملاء. كذلك فإنه يجب الإشارة الى انه غالبا ما تملك الشركات المُحتكرة ميزة تنافسية غير عادلة تعطيها دفعة قوية لكي تملك القدرة على السيطرة على بيع او انتاج سلعة مُعينة مثل حق الانتاج او التوريد الحصري للسلع. وأخيرا وبرأي الشخصي فإن فكرة الاحتكار وبالرغم من انها فكرة غير محمودة الا انها وفي بعض الاحيان قد تكون ضرورية بل ومفيدة وخاصة حين تقوم على مبدأ التقدم العلمي، حيث ان بعض الشركات قد تحقق اكتشافات او براءات اختراع تجعلها المورد الوحيد لبعض السلع (مثل حالة لقاح فيروس كورونا مثلا) وكذلك فإنها أحيانا قد تتم من قِبل الدولة بهدف حفظ تأمين بعض المنتجات الحيوية للمستهلكين دون تحكم او سيطرة من أي جهة وهو احتكار محمود، وهنا تجدر الإشارة الا انه في كل الحالات السابقة لا بد للمُحتكر الحميد كي يبقى حميدا ان يأخذ بعين الاعتبار القدرة الشرائية للمستهلكين ومدى حاجتهم للسلع والمنتجات على ان تكون المُنافسة الحقيقية بين ما يقوم بعمله وبين ما هو قادر عليه، وبالرغم من ان الحكمة الحقيقية للقدرة على العمل هي أن تقيس نفسك مع نفسك وليس مع أي شخص آخر الا ان المنافس الجيد قد يخلق حافزا رئيسيا للعمل والإنتاج وهنا تظهر أهمية المنافسة العادلة، وهنا أستذكر مقولة "بيل غيتس" رجل الاعمال الشهير "سواء كان ذلك في غوغل أو أبل أو البرمجيات الحرة، نحن لدينا منافسون رائعون وهذا ما يساعدنا على العمل".