مع بداية كل عام تبدأ مؤسسات الإحصاء والدراسات بالعمل حيث ينتظر الكثيرون إحصاءات وأرقاما عن العام المنصرم، فها هي نسب النمو الاقتصادي تشير لجهات استثمارية جديدة، وها هو معدل الزيادة السكانية يعطي إشارات ودلالات للدول والحكومات، فمثلا وبالحديث عن قائمة الأشخاص الأغنى في العالم والتي تُعتبر من أكثر الإحصاءات السنوية متابعة بل وجذبا لفضول محبي الاستثمار ومدمني الأحلام، فها هو كل حالم منهم يمسك بآلته الحاسبة ويحسب لو أنه كان قد استثمر منذ عام في هذا السهم أو في تلك الشركة كم كان سيحقق من الأرباح. لعدة سنوات مضت كانت أسماء كل من بيل غيتس، وارن بافيت وكارلوس سليم تتبادل أدوار المراكز الثلاثة الأولى في قائمة الأكثر ثراء، فلو تحدثنا مثلا عن بيل غيتس وهو الذي صُنِّف كأكثر رجال العالم ثراءً للمرة الأولى بحياته في العام 1995 وذلك بعد تقدير ثروته بما يقارب 14,8 مليار دولار في ذلك الوقت، فإننا نجد أن هذه الثروة سرعان ما تضاعفت لعدة مرات وذلك بسبب ارتفاع قيمة أسهم شركة مايكروسوفت «استثماره الرئيسي» لتصل إلى ما يقارب الـ 85 مليار دولار في العام 1999 وهي فترة النمو السريع التي مرت بها ثروته أيضا. وبنظرة سريعة على قائمة الأثرياء في العالم في الفترة الأخيرة فإننا نلاحظ أمرا مُلفتا حيث دخلت أسماء شخصيات جديدة ضمنها، فها هو جيف بيزوس، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة أمازون العالمية يدخل السباق المالي بقوة ليحتل خلال العام 2020 المركز الأول مستفيدا من جائحة كورونا وما سببته من ارتفاع كبير ومفاجئ في الطلب على شركات التسوق الإلكتروني في العالم ليحقق ثروة بلغت 182.4 مليار دولار تقريبا، وفي نفس العام أيضا فقد تمكن رجل الأعمال والملياردير الفرنسي برنار أرنو من الحصول على المركز الثاني في قائمة أثرياء العالم، بثروة بلغت 140.6 مليار دولار وهو رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة لويس فيتون المتخصصة في بيع السلع الفاخرة، والتي تتولى إدارة ما يقرب من 50 ماركة عالمية، أما مع أول أيام العام 2021 فقد تفوق رجل الأعمال إيلون ماسك مالك شركتي «تسلا» و«سبايس أكس» على الجميع ليحتل صدارة قائمة أثرياء العالم، بسبب ارتفاع قيمة أسهم «شركة تسلا» للسيارات الكهربائية بشكل كبير، وهو ما جعل قيمتها في ذلك اليوم أعلى من قيمة مجموع شركات تويوتا وفولكسفاغن وهيونداي وجي أم وفورد مجتمعين، وهو أيضا ما جعل «مؤشر بلومبيرغ» يعتبر أنها ربما تكون أسرع ثروة في التاريخ. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن العام 2020 وبالرغم من جائحته الصحية والمالية، إلا أنه أثبت وللمرة المليون أن العالم لا يخلو من الفرص، وأنه في عالم الاستثمار وكما أن النظرة التفاؤلية المطلقة محرقة للأموال، فإن النظرة السوداوية المطلقة أيضا ما هي إلا محرقة للفرص، فها هي السنة الأقسى والأكثر سوءا تحمل لمن يحسن التدبير فرصا استثمارية قد لا تتكرر مرة أخرى، لتُخبرنا بأن أحد أسرار النجاح هو القيام بالأشياء المعروفة ولكن بطريقة مختلفة وتوقيت غير مُعتاد، وهنا أتذكر «المثل الإيطالي» الشهير: الكفاءة يد الثروة اليمنى، والاقتصاد يدها اليسرى.