شبح كساد من حيث لم يحتسب الخبراء

الصين، التي تمتلك أعظم قوة اقتصادية في عالم اليوم تترنح، البلد الذي هز أركان النظام الاقتصادي العالمي وأرعب أعتى وأعظم القوى الاقتصادية التي هيمنت على العالم لعقود، يواجه ملامح انهيار اقتصادي من حيث لم يحتسب الخبراء الاقتصاديون كما هي العادة. الصين التي سيطرت أذرعها الاستثمارية المتينة وصناعاتها وصادراتها المتدفقة على الموانئ والمدن الصناعية والطرق الإستراتيجية والمشاريع الحيوية والأسواق حول العالم في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا، على أعتاب كارثة لم يتوقعها أحد. الصين التي ينمو اقتصادها بمستويات قياسية، وحققت (أكبر المعجزات الاقتصادية في التاريخ)، ومن المتوقع أن تسهم بنسبة (35% من النمو الاقتصادي العالمي، وهي نسبة تبلغ ثلاثة أضعاف نمو الاقتصاد الأمريكي)، كما أكد كبير الاقتصاديين الدوليين (ديفيد مان)، في محنة قد تستنزف كل تلك الإنجازات. الصين التي أزعج نموها القياسي وتبوء اقتصادها مركزا عالميا متقدما، الولايات المتحدة الأمريكية باتت تتحسب لليوم الذي سيصبح فيه الاقتصاد الصيني في المرتبة الأولى على مستوى العالم، وتجاهد بكل السبل لإضعاف هذا النمو ووضع العراقيل والقيود القانونية وغير القانونية لوقف نشاطه وتمدده وتقزيمه، وما الحرب التجارية التي يقودها ترامب إلا مؤشرا، ولكن هيهات فالصين قادمة، وسوف تزيح القوة العظمى عن طريقها لتحل محلها سيدة العالم الجديد، بحسب ما يتنبأ ويروج ويكتب الخبراء في الاقتصاد والسياسة، فقد كانت صادرات الصين (عشرة مليارات دولار)، في العام 1978، وقفزت لتلامس الـ (الأربعة والنصف تريليون دولار) ما جعلها في مرتبة (أكبر دولة مصدرة للسلع في العالم). الصين التي كتب فيها وعنها الكثير حد التخمة، نصوص ودراسات وأبحاث وكتب، تعبر عن غرام وإعجاب بالتجربة الاقتصادية الصينية، أو قلقا وتحذيرا من هيمنتها على العالم ونجاحها في إزاحة الاقتصادات الأخرى، أو كرها ونكاية في النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وتطلعا إلى نظام جديد أفضل وأكثر عدلا ومساواة، وآخرون بحكم تخصصهم كتبوا بموضوعية ودقة وقدموا قراءات وتحليلات واقعية ورصينة، فقد تمكنت الصين من تحسين حياة أكثر من 850 مليون صيني، ودعوا حياة الفقر، وتسعى إلى التخلص منه نهائيا في عام 2020م، وفقا لتصريح البنك الدولي. الصين تشكل مفصلا رئيسيا من مفاصل الاقتصاد العالمي، فإذا أصاب اقتصادها وعكة صحية أو عطس عطسة تنبئ بأن زكاما أو حمى تسربت إلى أوصاله، فإن تبعات تلك الوعكة ستكون سيئة على اقتصادات العالم، وسوف تصيبها بإسهال حاد وتقودها إلى شبح اقتصادي يخيم على سمائنا لسنوات. الصين تترنح واقتصادها تهتز أعمدته والتقارير الاقتصادية متشحة بالسواد كما اكتسحت شاشات التداول في أسواق المال اللون الأحمر، وتراجعت أسعار النفط بمستويات كبيرة في الأسواق العالمية، وأوقفت شركات كبرى عملياتها التجارية، فأغلقت (ستاربكس)، نصف منافذها، وتبعتها عشرات العلامات التجارية العالمية، وأوقفت آلاف المصانع نشاطها، وأعلنت معظم شركات الخطوط الجوية العالمية وقف أو تخفيض رحلاتها إلى الصين، بسبب وباء (كورونا)، وبحسب ما نشره موقع (ثقافة اقتصادية) على الـ(تويتر) فإن خسائر الاقتصاد العالمي بلغت نحو 160 مليار دولار، فيما تكبدت أسعار النفط خسائر بلغت 4%، وفقد مؤشر داو جونز، حوالي 1,2% في جلسة الجمعة 31 يناير لوحدها. كارثة يقرأها البعض في عالمنا العربي بأنها مؤامرة أمريكية، ويراها آخرون عقابا ربانيا تسبب فيه فساد البشر وطغيانهم وكفرهم، فيما يضعها كثيرون ضمن الكوارث الطبيعية التي تصيب الأرض. فإلى أين سيقودنا (كورونا)، الذي لم يحسب الخبراء والمحللون حسابه وهم يتوقعون نذر شبح اقتصادي قادم.