رفع سن التقاعد...الحل الأفضل

تبرز تساؤلات عن دور مؤسسات الضمان الاجتماعي في تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، والسياسات التي تقدم أفضل مساهمة في توسيع تغطيتها على نحو يتضمن ترتيبات مالية ملائمة ومعقولة التكلفة، في ظل معاناة معظمها من تزايد أعداد المتقاعدين، وارتفاع تكاليف الشيخوخة، وزيادة متوسط العمر، دون أن يقابل ذلك زيادة في الإيرادات لأسباب مختلفة، والتي تعتبر جميعها بمثابة تهديدات تحد من قدرة مؤسسات الضمان على القيام بدورها تجاه المتقاعدين الحاليين والجدد، ما يلقي مزيدا من الأعباء على كاهل الشباب من العاملين حاليا، خاصة مع توقع أن يتضاعف عدد الاشخاص الذين هم في سن الشيخوخة، مقارنة بالسكان في سن العمل في العام 2050، لدرجة أن الأمم المتحدة تتوقع أن تتجاوز أعدادهم أعداد الشباب لأول مرة في التاريخ. فالإنفاق على نظم التقاعد في العالم يزداد كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ويتوقع له ان يرتفع بالمتوسط 1% من إجمالي الناتج المحلي للدول المتقدمة والصاعدة في العشرين عاما القادمة، فألمانيا تنفق 27% من ناتجها على النفقات الاجتماعيه، وأمريكا 16%، ودول منظمة التعاون والتنمية 21%، لذلك عمدت الكثير من الدول لإجراء إصلاحات مدفوعة بضغوط الإنفاق وزيادة معدلات العمر. ولعل من الاسباب التي أدت الى مأزق الضمان الاجتماعي، التغاضي عن فكرة أنه بالاساس استثمار في الحماية الاجتماعية على مستويين أفقي ليشمل أكبر عدد من الفئات السكانية، وعمودي لتوسيع نطاق الإعانات ومستواها، لتحقيق دخل أساسي معقول ورعاية صحية مناسبة. لذلك فالإصلاح يجب أن ينصب على تعزيز جوهر وفلسفة الضمان القائمة على توفير العيش الكريم للمتقاعد، والإدارة الرشيدة للاستثمارات، لتحقيق النمو المنصف، والنمو المؤاتي للفقراء والطبقة الوسطى، للحد من انعدام المساواة في الدخل والتي يمكن أن تكون عائقاً أمام النمو الاقتصادي السليم. وعليه فالتحديات التقنية التي تواجه الضمان كثيرة كتحدي التغطية، والملاءمة (الرواتب)، والتمويل، ومنهج التفكير(أي الانتقال من اعتبار الضمان تكلفة إلى اعتباره استثماراً في النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي)، وخطط تطويره، ومراكمة السياسات التي ساهمت وتساهم بنمو فرص العمل، وهو ما يحتاج الى جملة قرارات جريئة كزيادة الاشتراكات، التي سيتحمل أعباءها العاملون الحاليون، أو تخفيض راتب التقاعد، وهو ما سيؤثر على تراجع معدلات الإستهلاك، ويلحق الضرر بأصحاب المعاشات المنخفضة، ويقلل الرغبة بالاستمرار بالعمل، ويزيد التحايل لرفع قيمة التقاعد، وبالتالي إفقاد الضمان الاجتماعي لمعناه وهدفه، خاصة مع تصاعد مؤشرات تكاليف المعيشة. لذلك يظل الخيار الأسلم والأفضل والأكثر استدامة رفع سن التقاعد، لما ينطوي عليه من فرص لتحقيق نتائج اقتصادية إيجابية، فهو يزيد من حجم قوة العمل النشيطة مقارنة بالمتقاعدين، ويساهم بضبط الإنفاق على التقاعد كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وينسجم مع ارتفاع معدلات العمر المتوقع في معظم الدول العربية والذي قدر بحوالي 58 عاما للرجال، و61.3 عام للنساء، في الفترة بين 1980 و1985 بحسب تقرير للاسكوا، وهي المعدلات التي استندت إليها الحسابات الاكتوارية لمؤسسات الضمان في حينه لتقدير الحسبة التقاعدية للشيخوخة والمبكر عند سن 45 عاما، فيما تواجه هذه الدول اليوم زيادة في معدلات العمر(82 عاما في قطر، 80 في الكويت، 79 في البحرين ولبنان والأردن، 76 في الإمارات، و75 عاما في السعودية). ومن منظور اقتصادي بحت فإن هناك مخاوف بأن عدد العاملين الذين يدفعون جزءاً من دخلهم لصناديق التقاعد لن يكون كافيا لتغطية رواتب التقاعد بسبب زيادة عدد المسنين، وانخفاض عدد هؤلاء العاملين (لانخفاض معدلات النمو السكاني)، ناهيك عن الإنفاق الإضافي على سنوات تقاعد لم تكن محسوبة أصلا بزيادة12 إلى 15 سنة تقريبا لمتقاعدي الشيخوخة، وبما يتجاوز 20 عاما لمتقاعدي المبكر، وهو ما أرهق ويرهق كل صناديق ومؤسسات الضمان في العالم- فالمتقاعد مبكرا مثلا سيظل يحصل على راتب دون عمل لثلاثة أو أربعة عقود بعد تقاعده- مما يستدعي رفع سن التقاعد للرجل والمرأة تدريجيا على مدار السنوات العشرين القادمة، وبمعدل سنة واحدة كل أربع سنوات، بحيث يصبح سن التقاعد في العام 2020 مثلاً 61 عاما للرجل، و56 عاما للمرأة، تليها فترة ثبات مدتها أربع سنوات، ثم تتم الخطوة التالية برفع السن سنة إضافية، وهكذا. [email protected]