«الهبطة» من أسواق العيد العامرة بالنشاط

جاء مصطلح أو اسم «الهبطة» من النزول والهبوط إلى ساحة السوق في المدينة أو البلدة والقرية، والتي تكون عادة في الوسط أو المركز منها، فيهبط البائع حاملا بضاعته من الجبال والأودية والحارات والمدن والقرى الأخرى، من المواشي والأبقار والبيض والسمن والعسل البلدي، ومنتجات المزارع من التمور والفواكه والخضروات والبرسيم بحسب مواسمها، والحلوى العمانية والصناعات الحرفية التي تتعدد أنواعها واستخداماتها، والتي كانت تشكل موردا ماليا مهما لأصحابها ودعامة اقتصادية محلية لتبادل السلع والنقود واستمرار نشاط الأسواق، وأخيرا ما يأتي من خارج البلاد من السلع والبضائع والملابس والحلويات والمكسرات ولعب الأطفال خاصة، التي تنشط في «الهبطات»- وبعضها من النادر الذي لا يراه المستهلك شيخا أو شابا أو طفلا، امرأة أو رجلا إلا في الهبطة فيزيدها قيمة ونشاطا وإقبالا وبهجة - ويهبط المشتري إلى سوق «الهبطة» لاختيار وشراء ما يحتاجه لأيام العيد من اللحوم والملابس والبهارات والحلوى وما يبهج به أطفاله من لعب وخلافه، أو للفرجة والتعارف ولقاء الصحب والتشاور والتعرف على حركة البيع والشراء وأحوال السوق. فيما يطلق على «الهبطة» في مناطق وولايات أخرى «الحلقة» حيث يتحلق الباعة والمشترون حول النوع أو الشيء المعروض للبيع في مزاد علني فتسري البضاعة أخيرا على من قدم السعر الأعلى لها، وهكذا ينتقل المزاد من نشاط ونوع من السلع إلى آخر بحسب الفترة المخصصة له والمعروفة عند الجميع، فلحصص الفلج وقت محدد، وآخر للمواشي، ويكون للبرسيم ساعة مخصصة له في تنظيم محكم وعرف مجتمعي توارثه السوق جيلا بعد آخر. و«الهبطة» عبارة عن سوق «تقليدي موسمي تُقام قبل عيد الفطر وعيد الأضحى» وتبدأ انطلاقتها قبل العيد بعدة أيام، وينتظم نشاطها في جميع الأسواق القديمة المعروفة في الولايات والبلدات والقرى، ويختلف تاريخ الهبطة من سوق إلى آخر، فبعضها يقام في السادس والعشرين من رمضان أو السادس من ذي الحجة، أو السابع أو الثامن أو التاسع.. وأذكر عندما كنا أطفالا يجافينا النوم من شدة الفرح باقتراب موعد «الهبطة» والشوق الجارف بانتظار لحظة الهبوط إليها، كون أن ما سوف نشهده ونشتريه منها من لعب وحلويات ومكسرات وملابس لم نره إلا في هبطة سابقة، ولن نجد مثله إلا في موعدها القادم. ومثلت «الهبطة» فرصة في إحداث نشاط اقتصادي دوري استفاد منه التاجر والمستهلك على السواء، وتمكنت من امتصاص المنتج المحلي والترويج له عبر الانتقال به من سوق إلى آخر في طول وعرض البلاد، وراكمت خبرات المشتغلين فيها، ووفرت فرص عمل وإن كانت آنية إلا أنها شكلت مصدر دخل مهم للمحتاجين، وأدت كذلك إلى تبادل المعلومات والخبرات والإحاطة بالأنشطة الرائجة والمطلوبة التي تدر ربحا جيدا... وما زالت الهبطات تنتظم وتنشط حتى يومنا هذا، وإن شهدت تطورات وتحولات فرضها الانفتاح الاقتصادي وقيام وإنشاء الأسواق والمجمعات التجارية الحديثة وتوفر الخيارات أمام المستهلك وكل أنواع السلع والبضائع التي يحتاجها طوال السنة، فلم يعد يتكلف عناء الانتظار إلى موعد «الهبطة» لشراء ما يحتاجه، ولكن من المهم أن يتواصل هذا النشاط الاقتصادي التقليدي، فلا يزال حتى يومنا رغم رياح التغيير يؤدي جانبا مهما في تحقيق الأهداف والغايات التي تمت الإشارة إليها.