الاقتصاد.. مجموعه كلي وبعضه جزئي

الاقتصاد حالة خاصة من العلوم، ترتبط بشكل مباشر بحياة الناس وجيوبهم، فتُشكِّل عبر الزمن الوعاء الحافظ لمجهودِهِم وتعبِهِم على مرّ سنوات وسنوات، بل حتى إنها في بعض الأحيان تتخطى ذلك لترسم ملامح مستقبلهم ومستقبل أبنائهم وأحفادهم وهو ما يجعلنا جميعا ولو بنِسبٍ متفاوتة نبحث دائما في دهاليز هذا العلم الواسع عن إشارات نستدِل بها عن إشارات واضحة نعرف من خلالها كيف نمشي، وكيف نستثمر، بل وحتى متى نتوقف عن الاستثمار، والأهم من كل ما سبق هو كيف نحفظ أموالنا وأصولنا لتصل لأولادنا في أفضل وأحسن صورة، فمنا من يهِب لأولاده المال نقدا ومنا من يترك لهم شركات وأعمال وآخرون يفضلون أن ينقلوا لهم ملكية أسهم أو سندات، وبالنهاية وبدون أي تردد تبقى المفاضلة بين هذه الخيارات تعتمد وبشكل أساسي على مستقبل هذه الصناعات وعلى مكان ونوع الاستثمار والذي غالبا ما يتم تحديده بناء على توقعات مستقبل الاقتصاد في ذلك الركن من العالم، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هو الاقتصاد، وما هي اهم أنواعه العامة؟ وهل هناك فرق بين الاقتصاد العالمي أو الدولي وبين الاقتصاد الخاص بدولة مُعيّنة؟ أم أن كليهما يخضع لنفس الأفكار والنظريات؟ وهل ما يهتم به دارسو الاقتصاد الدولي هو نفسه ما يهتم به متابعو اقتصاد دولة مُعيّنة من حيث المصطلحات والمفاهيم والعناوين الرئيسية؟. بداية وبشكل عام وبسيط فإنه يُمكننا الحديث عن العديد من التعريفات والتي تتفق جميعها بالمبدأ العام، فالاقتصاد هو ذلك العلم الذي يسعى جاهداً إلى الكشف عن ماهية الثروات المتوافرة لدى الشعوب والأمم وطبيعتها ليصل إلى إنتاجها ثم استخدامها وذلك وفقا لتعريف عالم الاقتصاد الشهير "آدم سميث"، ومن ناحية أخرى فانه يُمكننا تعريف الاقتصاد بشكل آخر بأنه العلم الذي يهتم بالأنشطة والعمليات ذات العلاقة باستغلال الموارد الشحيحة والمتوافرة في مجتمع ما لغايات خلق سلع أساسية ذات قيمة وتوزيعها بين أفراد المجتمع وهو التعريف الذي قدّمهُ "ليونيل روبينز"، أما "ألفريد مارشال" فقد قدّم تعريفاً للاقتصاد بأنه دراسة البشرية في الأعمال العادية للحياة، وانطلاقا من هذه التعاريف المُختلِفة وبرغم تباينها إلا أنه يُمكننا الحديث عن هدف أساسي للاقتصاد يرتبط بكل من المجتمع أو الدولة بشكل عام والفرد أو الأشخاص وسلوكهم بشكل خاص، وهو ما يجعلنا نُقسِّم الاقتصاد إلى نوعين أساسيين هما: الاقتصاد الكلي: يمكن القول إن الاقتصاد الكلي هو أحد فروع علم الاقتصاد المعنِيّة بدراسة الاقتصاد الذي ينتهِجُه بلد ما في فترة زمنية معينة سعياً لاختيار البديل الأمثل من بين مجموعة من الخيارات المختلفة، فهو علم يبحث بطبيعته في كيفية تفاعل كافة الأسواق والمُجتمعات مع بعضها البعض ومع الظواهر الأخرى التي تؤثر بها، وبالتالي فإنه يُمكن القول إن الاقتصاد الكُلي عبارة عن مجموعة حلول ونظريات تتعامل مع الاقتصاد ككتلة واحدة متكاملة وتهتم بشكل أساسي بمفاهيم اقتصادية خاصة بالدول مثل إجمالي الناتج المحلي، التضخم، معدلات البطالة وغيرها من المفاهيم وذلك بهدف دراسة وفهم الاقتصاد الكامل للدول وهو الأمر الذي يساعد على فهم الاقتصاد العالمي حيث يدرُس هذا النوع من الاقتصاد أيضا العلاقة الاقتصادية بين الدول المُختلفة وتأثير سياساتها وقوانينها على بعضها البعض من حيث التجارة الدولية وانتقال البضائع ورؤوس الأموال. الاقتصاد الجزئي: يَهتم الاقتصاد الجزئي بدراسة القرارات التي تتعلق بسلوك الوحدات الجزئية الصغيرة في الاقتصاد مثل أسعار السلع والخدمات الصادرة عن أفراد أو كيانات اقتصادية فردية مثل الشركات والمؤسسات، كما يهتم أيضا بالعلاقة بين المُنتِج والمُستهلِك من حيث طُرق الإنتاج والتسويق وآلية كل من العرض والطلب وتغيرات أسعار السلع المُتعددة في الأسواق التنافسية، كما يهتم هذا العلم بدراسة كيفية زيادة إنتاجية الشركات بحيث تحقق أعلى إيرادات بأفضل الأسعار وذلك من خلال عمليات وقوانين تنظيم أسعار السلع وأسعار عوامل الإنتاج المهمة مثل العمالة، رأس المال، الأرض وغيرها من الأمور، وبالتالي فان هذا العلم يهتم أولا وقبل كل شيء بسلوك المُستهلكين فيما بين بعضهم البعض وبسلوكهم أيضا تجاه السلع الموجودة بالأسواق. هذا ومما هو جدير بالذكر أن الكثير من الاقتصاديين والباحثين يعتبرون أنه من الأفضل للمستثمرين المحليين وخاصة الأفراد منهم التركيز على الاقتصاد الجزئي بدلاً من الاقتصاد الكلي خاصة في أسواق الدول التي يُمارس بها هؤلاء المستثمرون نشاطاتهم، حيث إنه من المُرجَّح أن تُؤثر مؤشرات الاقتصاد الجزئي على مدى نجاح أو فشل الاستثمار الفردي. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي يجب على كل مستثمر وبشكل دوري دراسة ومراجعة التغيرات والتحديثات التي تتعرض لها مؤشرات الاقتصاد الكلي للدولة التي يستثمر بها وذلك بهدف وضع خطط استراتيجية طويلة الأمد لخطط التوسع والنمو وحتى فتح أسواق جديدة في دول أخرى، كذلك فإنه يجب عليه أيضا الأخذ بعين الاعتبار مؤشرات الاقتصاد الجزئي والسلوك الداخلي للأسواق والمستهلكين وذلك بهدف الحفاظ على حصته السوقية وخلق حالة من التعامل المرِن مع تغيرات أذواق المستهلكين وقُدراتهم الشرائية، علما أن طريقة التسويق والأمان الأفضل في عمليات البيع والشراء تبقى دائما قائمة على مبدأ التركيز المباشر على احتياجات المستهلكين الحقيقية وتأمين السلع التي تلبي طموحاتهم ورغباتهم، وهنا أتذكر مقولة الاقتصادي الشهير"آدم سميث" حين قال "الاستهلاك هو الغاية الوحيدة والغرض الأول من وراء كل عملية إنتاج، ولذلك لا ينبغي أن ننظر باهتمام لمصلحة المُنتْج إلا بقدر ما يكون ضروريا لصالح المُستهلك".