تسييس القرار الاقتصادي

أصبح القرار الاقتصادي قرارا سياسيا لا يخدم الرؤية الوطنية تعلمنا من الجامعة وبالتحديد من دكتور الاقتصاد أن علم الاقتصاد يلعب دورا محوريا في حياة الإنسان وفي استقرار البشرية، فكان يكرر دائما أن «علم الاقتصاد هو الأب الفعلي لكل العلوم الإنسانية»، وبدونه تتدهور الحياة ويكون الإنسان عاجزا عن تدبير شؤون حياته، فعندما تنعدم الثقافة الاقتصادية السليمة يضيع الإنسان ويضيع معه كل شيء. ويأتي بعده دكتور السياسة ليقول إن علم السياسة هو الأب الفعلي لكل العلوم الإنسانية وبدونه يعم الجهل في البشرية ويتيه الإنسان في الغابات، لأنه سيكون جاهلا ولا يدرك ما يجري من حوله من تطورات سياسية وأمنية واجتماعية، فيكون غير قادر على حماية نفسه من أمراء السياسة وفنونها الماكرة، فلا طعم في الحياة بدون معرفة وإتقان الدهاء السياسي. النتيجة التي رسخت في عقولنا هي أن هناك حلقة ضائعة بين رجال السياسة ورجال الاقتصاد، تلك الحلقة تحدد العلاقة بين الاثنين وتبين دور كل منهما ومسؤوليتهما تجاه الآخر، كما تبين من يجب أن يكون صاحب القرار ومن يسير الآخر، وهل يمكن لكل منهما التدخل في الشأن الآخر. العلوم الاقتصادية تؤمن بأن القرار الاقتصادي يرتكز على متغيرات اقتصاية محددة مثل الدخل، والإنتاج، والعمل، والتوزيع، والاستهلاك، للسلع والخدمات، وهذه متغيرات تعمل بموجب القوانين الطبيعية مثل العرض والطلب، كما أن هناك تآلفا وتناسقا بين هذه القوانين التي تعمل على تنسيق وتوازن تلك المتغيرات والتي عادة ما تكون نتائجها في مصلحة الجميع والمجتمع. أما السياسي فهو ليس مثل الاقتصادي، فهو غالبا ما يعتمد في عملية اتخاذ القرارات على متغيرات تحددها البيئة السياسية التي يتم فيها اتخاذ القرار، السياسي لا يطيع القوانين الطبيعية أو التناسق والتآلف الطبيعي، بل قد يقدم على تغييرها وتشويهها، بمعنى آخر ليست القوانين هي التي تسير السياسي وتؤثر على قراراته، بل أمور أخرى قد تكون أكثر تأثيرا، ونتائج القرارات السياسية ليست بالضرورة تكون في مصلحة المجتمع. وعلى ذلك يرى الاقتصاديون أن السياسة يجب ألا تتدخل في تلك القوانين الطبيعية للاقتصاد، أي أنه ولضمان تحقيق الفاعلية الاقتصادية يجب إبعاد السياسة عن الاقتصاد، لأن الأخير يتمتع بقوانين طبيعية وقوة لازمة لتحقيق التوازن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ماركس، وهو مفكر اقتصادي، يرى أن «القوي اقتصاديا هو القوي سياسيا»، بمعنى أن الوضع الاقتصادي لأي مجتمع هو الذي يبني القوة السياسية، فعندما تتوافر الموارد الطبيعية والمالية والفكر الاقتصادي الناضج وينمو الاقتصاد بشكل طبيعي، ويتعزَّز الاستقرار المعيشي تتولد قوة سياسية لدى المجتمع فيكون هذا المجتمع قادرا على حماية نفسه من خلال بناء القوة اللازمة لذلك. ما ذهب إليه ماركس هو أن الاقتصاد يجب أن يخدم الفكر السياسي وليس العكس. ولكن ما نشاهده في كثير من المجتمعات غير الديمقراطية هو غير ذلك، حيث إن «القوي سياسيا هو القوي اقتصاديا»، الأمر الذي يعني أن من له الحنكة والدهاء يستطيع تقوية وضعه الاقتصادي وهذا لا يمكن أن يكون إلا في مجتمع تنعدم فيه العدالة ويبرز فيه حب السلطة ويتفشى فيه الفساد الإداري والمالي ويكون السياسي هو صاحب القرار. كثير من الأحداث الدموية التي شهدها العالم عبر التاريخ مثل الانقلابات العسكرية وكذلك الحروب والنزاعات الحدودية كانت لغايات اقتصادية بقرار سياسي، تلك التطورت كانت بمثابة الشاهد على الكيفية التي تحول من خلالها الاقتصاد إلى مجرد أداة سياسية تخدم طموح السياسيين المغرمين بالسلطة، بحيث أصبح القرار الاقتصادي قرارا سياسيا لا يخدم الرؤية الوطنية ولا المصلحة العامة، بل يخدم طموحاتهم الذاتية أو الحزبية، فجعلوا السياسات والمشروعات الاقتصادية التي كان يفترض أن تبنى على دراسات وبيانات ورؤية مستقبلية، مجرد وسائل وأدوات يستخدمونها كيفما رغبوا لتحقيق غاياتهم السياسية بعيدا عن المصلحة العامة لشعوبهم. لقد قاموا بتلويث النظام الاقتصادي لبلادهم بأفكارهم وخططهم السياسية وليس بالعلوم السياسية، فقاموا بتسخير كل الموارد المتاحة، بل كل الاقتصاد الوطني، لخدمة مصالحهم الشخصية أو الحزبية.