الرهان الاقتصادي في تشكيل الحكومة الإيطالية الجديدة

تأخذ إيطاليا منحى سياسيا مغايرا بعد الانتخابات الأخيرة التي أفرزت ائتلافا حكوميا بين حزب الرابطة اليميني المتطرف الإيطالي وحزب حركة «خمس نجوم» المناهض للمنظومة الإيطالية والأوروبية، فوصول الشعبويين للحكم في إيطاليا يعد سابقة في أوروبا لطالما شكلت خطرا على مصير الاتحاد الأوروبي وتماسك نسيجه الاجتماعي. فالشعبوية صارت منتشرة في الأوساط السياسية في العالم بأسره وفي أوروبا على وجه الخصوص، حيث تنتشر الشعبوية اليمينية بقيم معادية للمهاجرين وللاندماج الأوروبي وبرامج اقتصادية مغرية تهدف إلى الرفع من دخل المواطنين وتخفيض التكاليف الاجتماعية. وهنا تجدر الإشارة إلى وجود أنواع أخرى من الشعبوية، فهناك شعبوية يسارية تروج لقيم المساواة، التضامن الاجتماعي ورفض العولمة عبر استهداف رجال الأعمال والشركات المتعددة الجنسيات وشعبوية ليبرالية تقوم على أفكار التحرر والانفتاح الاقتصادي والارتباط بالتكنولوجيات الحديثة وريادة الأعمال. ويعد وصول اليمين الشعبوي في إيطاليا لسدة الحكم تهديدا حقيقيا للاتحاد الأوروبي من ناحية أولى، لأن جوهر برنامج الائتلاف الحكومي مبني على فكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي واستعادة ما يسميها بالسيادة الاقتصادية خاصة من خلال الصناعات التي كانت تمتاز بها إيطاليا والتي تراجعت في ضوء المنافسة الأوروبية والآسيوية كصناعة السيارات والمقاولات العائلية التي كانت تميز الاقتصاد الإيطالي في قطاعات مختلفة كالألبسة، الأغذية والمحركات الصناعية. ومن ناحية أخرى لأن الاقتصاد الإيطالي هو ثالث اقتصاد في أوروبا، وسقوطه يؤدي إلى تأزم الوضع الأوروبي وتدهور المؤسسات الاستثمارية والمالية الأوروبية في ظل انعدام الواقعية في البرنامج الاقتصادي المقترح واحتياجه لسيولة مالية كبيرة تبدو غير متوفرة. وفي هذا الصدد، يقترح المشروع الاقتصادي للتحالف الحكومي في إيطاليا مجموعة من الإجراءات التي ستتسبب في نزيف مالي حاد وارتفاع في المديونية، إذ ينص على تخفيض الضريبة على الدخل من 23% إلى 15 % وكذلك تخفيض الضريبة على الشركات من 43% إلى 20%، علاوة على الرفع من أجور المتقاعدين وتخصيص راتب شهري لجميع المواطنين قيمته 780 يورو، وبذلك يطرح التساؤل حول مدى فعالية هذه الإجراءات وكيفية تمويلها خاصة أنها ستكلف ما يفوق 100 مليار يورو في بلد تبلغ نسبة الديون فيه 130% من الناتج الداخلي الخام. ويعول صناع القرار الجدد في إيطاليا على إعادة التفاوض على ديونهم لدى البنك المركزي الأوروبي والتي تبلغ 250 مليار يورو وعلى إلغاء بعض مشاريع البنية التحتية كمشروع القطار بين مدينة تورينو الإيطالية ومدينة ليون الفرنسية. تزداد معاناة الاتحاد الأوروبي بعد البريكسيت ودعوات الخروج التي تنتشر في الدول الأوروبية الكبيرة كإسبانيا وفرنسا، ناهيك عن الفروقات الاقتصادية الكبيرة والتي تجعل مصير الاتحاد الأوروبي مبهما.